شعار مداد.png

قالب فخاري يستشف الضوء

هل بإمكان الإنسان أن يعيش بوجهين؟ ان يستيقظ صباحًا ويغسل آثار النوم يرتدي ثيابه ولا ينسى أن يأخذ الوجه المناسب لجو هذا اليوم فإن كان ربيعًا أخذ وجهًا باسمًا، وإن كان عاصفًا دثر وجهه المركب بغطاء صوفي.


هل فكرنا يومًا بأخذ الوجه الحقيقي لنا؟ أن ندفع ثمن عدم النوم مبكرًا بآثار نوم تعكس قساوة ما فكرنا به ليلًا. أن نشعر بالخيبة ولا نخفيها ونبتلعها كخنجر يمزق قلوبنا، وتنتزع ذرات العيش التي كنا نتملكها، ونحاول الحفاظ عليها. أن نلبس الحقيقة لا أن نكتمها بحقيبة العمل أن نتناول الألم والعلقم لا أن نسرده بدموع مالحة وتدافع كلمات لا نهاية له. هل فكرنا يومًا أن نكون أنفسنا فقط؛ أن ننزع الخوف من امتزاج الأوجه وظهور الحقيقة البشعة أمام الناس.


نعم فكرت..


فكرت أن ألقي بأقنعة الزيف وأن أعيش بحقيقتي أتجرع كلمات الناس بصفتي أنا، وليس بصفتي هم. فكرت أن أخرج ندبات الماضي للعلن وللنور لكني في آخر لحظة، خضعت للخوف وتجنبت السؤال أخفيت آثار تلك الأيام بأكمام قميصي وحرصت ألا يجلس بجانب تلك الجهة أي مخلوق قد تثير تساؤلاته تلك الآثار العجيبة التي ارتسمت على طول يدي تحكي قصة صراع عشتها وحدي بين جنبات غرفتي.

كنت بقوة خائرة أصارع نفسي التي سئمت العالم وأردات أن تنعم بالسواد السرمدي، نفسي التي أضحت عدوتي تعرف ما أشعر به فتهاجمني وتجتاز خطوط الدفاع الواهنة التي أضحيت أحمي نفسي بها.


فلا أجدني إلا وقد هويت غرقت من دون أن أشعر، كنت أنا هناك وكانت روحي ترفل بالظلام، تعيش الخوف لحظة بلحظة وشبح الموت يلاحقها، وكره الذات يتجلى في ملامحها. أردت البكاء أردت أن أخرج من حياتي وأن أطلب المساعدة؛ لكن شبح الصمت خيم عليّ عاتبني وطلب أن أكون برفقته وأن أؤنس وحدته ببؤسي وضياع حياتي، أن تكون صرخات الرعب معزوفة المساء ودموع الحيرة تحلية اليوم، أن اعيش وحدي بتلك الحياة عشت ولكن لست أنا لست ذلك الشخص المبتهج الذي ترتسم على ملامحه الحياة.


عشت كالأموات كالأشجار في الخريف تحركها رياح الذكريات، وتكسرها عواصف الماضي. هل بحت لأحد بتلك الحياة؟ لم أصفها لأحد، كيف لأعمى أن يصف الضوء؟ وكيف لسجين أن يصف الحرية؟ وكيف للخائف أن يصف الأمان؟


بحثت وجلت بأقطار ذاكرتي الضعيفة لعلي أجد وصفًا لما عشته قبل سنة لكني لم أجد إلا، الصمت وشعور بالاختناق كأنني عشت في فقاعة ليست ملونة وإنما سوداء. أطير بين الناس ولا أحد يلحظني أو يلحظ ظل الندم الذي يتبعني أينما حللت وارتحلت؛ لكنني

هنا أكتب ذلك، أكتب حياتي السرية التي لا تجد دليلا ماديًا لها إلا تلك الخطوط التي حفرت في يدي تخبرني كم أن النجاة في ذلك الوقت صعبة جدًا، وكيف أن الحياة غالية تستحق العيش؟!


تخبرني برسالة لنفسي أنني كنت قوية كنت قوية لا أهزم لكني كُسرت، والآن أنا الملم أشتاتي وأصيغ كلماتي، لعل صوتي المفقود يصل، لعل ظلال تلك الأيام تبقى ذكرى، ويبقى كل ما فيها طي النسيان.


أراني أتشكل في قالبٍ سعيد وأضعني في قالب فخاري وأعرضه للشمس لعله يستشف الضوء لعله يومًا ما ينجو.



سمية الورثان



19 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل