شعار مداد.png

كتابٌ.. ابتدأ من الرقم صفر

هبّت نسائمٌ على كتابٍ مفتوح، ليسحب معه ورقةً تتبعها أخريات، تتقلبُ متلاحقة حتى أُغلق الكتاب..

تلك الصفحات التي احتفظت بذكرى فتى رحلَ شابًا، لإنقاذ العالم، وقد بدأتْ حكايته كما بدأ الكتاب، لكنه أخذ الرقم صفر من حياته بعين الاعتبار، فابتدأ رحلةَ العيش منه.


عام 2000م / صفر


صورٌ ترامتْ على أرضيته الخشبية، لتجمعها فتاةً في بداية العشرينات من عمرها، وضعتها على طاولةٍ توسطتْ غرفة الطهو والأكل بذات الوقت، زفرت بتفكير أرهق عقلها، وأوصلها الى وقتِ الشيخوخة قبل أن تسقط التجاعيد على تفاصيلها، كان الأمر مؤلمًا، وصوت الطفل في الداخل، كان يزيد همها همًا، فلا وقت للحزن على رفاقها، الذين أفدوا أرواحهم لأجل الورقة الخضراء، ولا مجال لترك الكآبة في جوفها، عليها تربية الطفل كما يجب، والصور هي البرعم، وعليها زراعتها في رأس صغيرها.


مسحت دمعاتها، ابتسمت رغمًا عن حالتها، رتبت ثيابها، وانطلقت لمراضاةِ من أتعبه البكاء، طالبًا المجيب.


عام 2010م / عشرة


انطلق بين الحشائش باحثًا عن مخبئ من ملاحقته، بقي يجري بحرية، وقد غاب عن ذاكرته شرط والدته: اياك وقطع الجدول، فخلفه تسكن الوحوش.


وصل إليه بالفعل، وقف على طرفه، ينظر للجهة الأخرى منه، وقد وسوس له شيطان فضوله: لما لا تذهب وتلقي نظرة!

ابتلع ريقه ليجيب ببراءة ردعته: لكن، أمي..

لا بأس بقطع الجدول فقط! أليس كذلك.


وضع قدمه في الجدول، التفت وراءه ليتأكد من عدم وجودها، ثم غار بالثانية، ليحارب الماء بقوة ساقيه عابرًا الجدول، إلى أن خرج أخيرًا وقد وصل للجهة المقابلة، تنهد قبل أن يعود أدراجه، لكن الوسواس أوقفه: مهلًا، لما العجلة، لما لا تتقدم أكثر؟ ربما تعرف لما أمك تمنعك من الذهاب إلى هناك.

لكنها..

لن تراك، أخبرها أنك اختبأت بين الحشائش.


ابتسم لفكرةٍ أرست في رضاه، وقد أكمل طريقه ليكتشف الجانب الآخر من الجدول، فلم يكن هناك اختلافٌ بينه وبين ما يعيش بها، غابة، حيوانات، طيور وزواحف

لماذا تمنعني من المجيء إلى هنا!

رآها طبيعية كما هي منطقته، فما هو المختلف بينها وبين ما يعيش بها؟


حتى سمع أصوات أحاديث، هناك من يتكلم مثله، خافَ بدايةً واختبأ بين الشجيرات، ليراهم يمرّون من جانبه، وقد نطق بصوتٍ عالٍ، من شدة حماسه

إنهم ناطقون..


لم يكمل جملته، فقد أطبقت على فمه يدٌ من الخلف، كي تخرسه وتؤكد أمرها بصوت من فمها، ما دعا الاثنين التوقف لحظات لشكّ أحدهما بسماعه الصوت، لكن الآخر تململ وألصق التهمة بسنجابٍ أو ما شابه، لذا أكملا المسير وظهر من خلفهما عربةً سحبوها، تحملُ في جوفها جثتي غزلان.


تفاجأ الطفل بما رأى، لم يكن يعتقد أن تهرب أمه من سؤاله حولهم، هو ما يراه الآن، ما جعله ينزل رأسه طيلة طريق العودة، وخيبةً عظيمة أصابت أمله

لم أُرد أن ترى ذلك، لذا، منعتك من عبور الجدول، فخالفت الأمر بكل بساطة.

أبعد ناظريه جانبًا، فالحزن أصاب قلبه اليوم، وعليها أن تعادل مزاجه، لذا رفعت رأسها للسماء بينما تكمل

جيد أنني أخرستك في اللحظة المناسبة، أنقذت حياتك من الوحوش.


تحرك لسانه أخيرًا

لماذا يقتلونهم! إنها الطبيعة، كيف لهم أن يمسوها بسوء؟

أعرف مدى حزنك بني، لكنهم يفعلون أفظع مما رأيت، لا تكن عبدًا لرغباتك، ستأتيك الاجابات من الآن فصاعدًا، وعليكَ التشبّع.


لم يفهمها في وقتها، لكنه قد فهم المعنى عندما قُلّد اسمه الجديد

"تسعة عشر"


عام 2019م / تسعة عشر+ كورنا


وقفت أمه أمام طفلها الذي أصبح شابًا، مستعدًا بما فيه الكفاية لينطلق في حلة انتقامه، فنطقت باسمه الأخير

بدأت باسم صفر، والآن أنت باسمك الجديد " تسعة عشر" والأخير.


استغرب كلمتها الأخيرة، فنطق بحزن غلف ملامحه

الأخير!

أجل، وهذه اجاباتي الأخيرة لك.

ما هي؟

كنت أعطيك جرعةُ شهرًا، لأزرع النواة، وأسحب من دمك شهرًا، فأحتفظ بها عندما كبرت، تلك الأنوية اخوتك، وهم مستهدفين، لذا لا تدعهم يكملون مخططهم، انتقم لعائلتي، وحافظ على عائلتك.


استقام كجندي تعشعش الانتقام في خلاياه، وسيحفر قبره لأجل الهدف الأخضر.

وصل لوجهته، وسار بين الناس متخفيًا بسترةٍ سوداء وبقبعتها غطّى الملامح، ولمس يد أول ضحية بعد تردد دام دقيقة، والسبب أطفالًا حاموا حوله، مُلحّين بطلبهم، ينادونه بـ "أبي"، لكنه أحكم قفل السجن، الذي حُبست خلفه العاطفة، ليكمل طريقه وفي نفسه ردد وسواسه مقنعًا

هم قتلة.. حرموك من رؤية والدك، قتلوا الطبيعة، سيسلبونك أمك وإخوتك.


سار بين الحشد، انتقل من مدينة الى أخرى، ونجح في جعل المرض ينتشر، أعطى البشر الضربة التي يستحقونها، أنقذ اخوته والطبيعة، وحقق الهدف الأخضر، أخذ بثأره من بعضهم، وهذا كافٍ، لذا سيتوقف عند هذا الحد كي لا يتفشى مرضه في العالم.


قرر العودة، وبالفعل سار متخفيًا بين الحشد، ولم يهمه كثيرًا، إن التقط أحد آخر المرض منه، فالعدد الذي قام بإيذائه ليس بالعدد المهول، لن يصل سوى الواحد بالمائة بل وأقل بكثير من هذه النسبة، في العالم.


عائدًا أدراجه إلى غابة والدته، وقبل خروجه سمع أناسًا في الشارع تتناقل خبرًا عبر ما يدعونه بالهاتف، عن اعتبار المرض وباء على مستوى العالم.

صُدم مما التقطه سمعه قبل لحظات، فهرع إليهم سائلًا من مصداقية الخبر، لكنهم ابتعدوا عنه، ونظرات الرعب تحدق به، لم يفهم سبب نظراتهم، لذا نظر الى انعكاسه على احدى العربات السيارة، ليرى لونًا أخضر يشعّ من جسده وتزداد اشعاعاته، ما جعله يتراجع خائفًا، ثم اختفى عن الأنظار.


كورونا – تسعة عشر


جلست على طرف سريره، اقتربت منه حتى أبقيت مسافة بسيطة بينهما، ثم تحدثت بنية أمّ ترى فتاها، وقد تساقطت أوراق عمره باكرًا

: عزيزي، قمت بمهمتك على أكمل وجه، لا تدع الندم يأكلك سريعًا، أريد أن أعيش معك فتة أطول، لا ترحل بهذه السرعة أرجوك.


أبعد يدها عند اقترابها من شعره، متقوقعًا في جلسته أكثر، وغطاءه يلفه، فأكملت بحزن رقرق الحزن في عينيها

لم أستطع اخبارك بالحقيقة كاملة، لن تقوم بالهدف الأخضر، إن أخبرتك..

قاطعها بنبرة حادة

ما هو الهدف الأخضر؟

صمتت لفترة، فصرخ في وجهها، مطالبًا بإجابة

ما هو هذا الهدف؟ أخبريني، ما الذي استحق أن أموت لأجله، جسدي يعود للوراء، ألا ترين إلى أي اسم وصلت!! العشرة، وكله لأكتشف أني خُدعت، بهدف لا أعرفه، أخبريني!

تحرك لسانها بالإجابة أخيرًا

: قتل الناس لسلام الأرض، لحماية الغابة التي عشت بها منذ صغرك، كنت كورونا التي يدعونها الآن " كورونا – تسعة عشر "، بحثٌ قام عليه من دعوته بوالدك، لأنه من استخرجك من الطبيعة.


أطبقت شفتيها بألم ذكراهم، عائدةً لليوم الأليم، دماءٌ في كل مكان، ورجلٌ يلفظ أنفاسه الأخير في أحضانها، ليسلمها أمانته

اعتني بابننا جيدًا.

ثم عاد بالرواية على مسامع طفلها

أنت فايروس قمنا بأبحاث ضخمة، وقتلنا آلاف الرضع لنجد الجسد المناسب ليحتويه، وقد كنت المختار.


بدأت سلسلة أسئلته الباردة، وإجاباتها المشبعة

من أنا؟

كورونا – عشرة، الآن.

لماذا وُلدت؟

لقتل البشر.

كيف انتشرت؟

عن طريق الحمقى، فالبشر بطبيعتهم أنانيّون، لن يرضوا الموت لوحدهم.

لماذا أعود في الأسماء؟

لأنهم يحاربون أجزاءك في البشر المرضى.

هل سأصل للصفر؟


طأطأت رأسها ودمعة هربت منها، لتسقط على الفراش، ما جعله يبتسم عند رؤية بقعة البلل، معلقًا باستهزاء

لما البكاء؟ فأنا قتلتُ البشر، وأنتِ قتلتني.


مر شهر آخر، وقد صغر اسمًا آخر، أخرج زجاجات الدم وحطمهم بعنف، غير آبه بدماءٍ سالت من يديه وقدميه، وقد هرعت وأمه لتهدئته وتضمين جراحه، وهي تبكي بحرقةٍ على طفلها " تسعة "، فقد وصل الى حد الجنون، ويبدو أنه سيموت قبل أوانه، فعورته لأسمائه الأصغر، أسرع مما توقعت، لذا حاولت التخفيف عنه بكلماتها، لكنه قطع حنانها الزائف بسؤال بارد آخر.

من هؤلاء؟

قطع من كورونا، متطورة أكثر، ارسلت بعضا لدول غير التي ذهبت اليها، لكنك حطمت البقية.


حدق بها مطولًا، حتى نطق

من أنتِ؟

مؤمنة بالحتمية البيئية.


ابتسم، وهو ينظر الى الاشعاع الصادر منه، وقد زاد أضعافًا من وقت " التسع عشرة ".


ليبدأ بمشاعره، قبل أن يصغر أكثر، فلا يستطيع النطق بحقيقة ما يشعر.

ها أنا أعود " للصفر" وأنا في حالة ضعفٍ أليم، لكون حياتي نُسجت بقصص الخيال، التي حكتها لي أمي، شكرًا لك على هذا الألم.


أراقت العيون أنهارها، وحضنت الأم طفلها لآخر مرة قبل رحيله، فقد بدأ يصغر بين ذراعيها، حتى وصل " للصفر".


علا نواحُ فؤادها، ونزفت عيناها دمًا، على فراقِ حُبٍ، دمّرَ أسماءه الكره، والهدف الأخضر.


كتبت قصته في كتابٍ، رُقمت صفحته الأولى والأخيرة بالرقم " صفر"، صارت تقرأه عند الجدول الفاصل، يوميًا، ترويها حكايته للخضراء، وتنهي القصة بقولها

تلك الحقيقة وليست أكاذيب.

رجتْ اطفاء نار ذنبٍ، أشعلها صغيرها قبل الرحيل، فلما أصابها اليأس وسيطر الاكتئاب، تركت الكتاب عند الجدول، ورحلت بنيرانها، تتمنى اللحاق به قريبًا.


فهبّت نسائمٌ.. وأغلقت الكتاب.


ميمونة قاسم



3 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل