شعار مداد.png

كل ما أشتاقه اليوم أن أكون تلك الفتاة السخيفة


جئتكِ مستراحاً، يا أرض البلدة الصغيرة يا تذكار الطفولة والضحكات الجريئة والصحبة والأحلام البريئة والأمان والهموم الضئيلة بعد أن دارت بي المدينة وخضت بمخاض روايات الألف ليلة وليلة وطحت بالفكر والسؤال والتيه وغثاء المشاعر الغريبة بعد أن خانتني المبادئ وضاعت مني، وتغير صحبي، وتلك الأحلام الصغيرة صارت هما يلاحقني أسعى لتحقيقها ولا شيء منها سوى أنها تأكل الوقت عني، ودخلت بسباق الوجود الطويل، وصاحت الحياة بوجهي منكرة إياي رافضة طبعي. بعد أن حكّ قاع الغربة جلدي، وساهم الكل في جَلدي، الصاحب والقريب والقصيد والفلسفة وحتى أمي، بعد أن أخذتها مني تلك المتجبرة المسماة حياة. بعد أن انكمش قلبي، من برودة حياة المدينة، وفقدت نفسي، داخل متاهات المدينة، وذقت الحزن مُراً، مراً جداً، من قسوة المدينة. أعود اليوم، لكِ يا خضرة كل الدنيا وزهرة العواطف، آملة، أن تغمريني الشابة الضائعة والحقيرة، لحضنك الكبير الحنون، وتتخيليني تلك الغرّة الصغيرة والتي كانت أكبر آفاتها حُسن الظنون. اغسليني، من بقايا المدينة، وبقايا جور أيام البالغين، لأعود في حضنك لعبة جميلة، عيناها تشع شمساً صافية، وقلبها يحوي متسع بعد للأمان والثقة والحب والجمال. آه كم قسَت الأيام علي من بعدكِ، وآه من سذاجتي عندما ظننت أني سألقى الحياة بعد أن ودعتُكِ، ليتكِ تعطفين على البنت الكسيرة، ولا تقسي عليها بعتاب، فقد قاسيت بعدكِ أشدّ العتاب من تلك الحياة البخيلة. أتيتك آملة عساكِ أن تكوني لي أماً بديلة، عن تلك التي ودعتني غصباً عنها وعني بكيف الحياة الجديدة. أهلكني الزمان أيتها البلدة الصغيرة، أخفاني، مزّق جفوني وأعياني. لم أظن عندما كنت بين ربوعكِ الحانية أن بإمكان القساوة في الدنيا أن تصل لسقفٍ كهذا. آه لو تعلمين كم لعبت بي المدينة، لتصيّرني إنسانا، وأودني اليوم بين يديكِ أن أكون كلّ شيء عدا الإنسان، هذا الكائن الشقي المسكين المغلوب على أمره، والذي رأيته يعيش فقط منتظراً أجله. أود لو أعود بين يديكِ أضغاث أحلام تمر على الحياة بوجود أخفّ وأشفّ من أن تدركني. هل تذكرين الرفقة الضحوكة المغامرة؟ جمعُ الأطفال ذاك؟ أينهم اليوم؟ يعزّ علي أن أتخيل تلك الثغور الباسمة تعض على شفتيها الآن حتى صارت دامية، من هول ما صفعتهم به الحياة، تلك الحياة الحرب. طهّريني، يا أرض البلدة الصغيرة، من تلك النجاسات، والحماقات والبلاهات، التي رمتني بها المدينة. أقف وأتوسّل جبينكِ اليوم، بأن تطمسيني من الوجود، وأعيش بداخلكِ فتاة جديدة، بريئة حليمة سعيدة. وأصافح الأمان داخلك كصحبة جديدة. و تلك الآمال والوعود التي راودتني بداخلكِ وأنا طفلة صغيرة، أعيديها لي، وإن كانت تبدو اليوم سخيفة، أعيديها لي ولا تسألي، فكل ما أشتاقه اليوم أن أكون تلك الفتاة السخيفة. أتعبتني المدينة يا بلدتي الصغيرة، حتى صار الوجود مخيفاً كتلك الكوابيس الليلية. عدا أني يا بلدتي الصغيرة، لم أجد حضنا كحضن والدتني ليغمرني بالهدوء بعد تلك الكوابيس لأعود للنوم بعين قريرة، صارت الكوابيس حياتي والحياة طويلة، وربي أنها طويلة. بين أحضانك أنا أيتها البلدة الصغيرة، وهذا أقصى ما أمكنني وصوله من تلك الرحلة التعيسة، وأغلى ما يمكن امتلاكه لفتاة مثلي شريدة. دلليني أيتها الأرض الحبيبة، فلم يعُد لهذا الجلد والعظم روح، ولا للشعور بداخلي جموح، ولا للعين دمع يقدر أن يفيض لينفض عني أوجاع كل هذه الجروح. بين يديك أنا أيتها البلدة الصغيرة، ولا غير جبينك أرى، ولا أتمنى غير أرضك لي مستقرا، ولا أجد غير نسماتك الباسمة البشوشة لي سلوى. في رجاؤكِ أنا أيتها البلدة الصغيرة، كوني للإنسان المتعب فيني قبراً، وللأمل فيني أهلا.


رغد النغيمشي


14 عرض