شعار مداد.png

كم نكتة سوداء في قلبك؟!

لو ركّزَتْ في مرآتها قليلًا، لاكتشفتْ أنّي موجود، لكنّ البَشَرَ أغبياء من الدرجةِ الأولى ...


حسنًا، بإمكاني التعريف عن نفسي مقدّمًا، أنا هنا، سيّدٌ مِنْ سادة الشرّ الفرعيّين وأطمحُ لموقعٍ بينَ الرئيسيّين.

لم أعتَدْ المجيء إلى هذا العالم كثيرًا، فمُنذُ وُجِدت، قطعتُ عهدًا بعدمِ دخولِه، حتّى أصِلْ للمرتبة الرئيسة، لكنّ تلك القوانين المزعجة، أعادتني إليه مُرغمًا، حيثُ يتمّ تنصيبي كسيّد من سادة الشرّ الفرعيّين.

وها أنا أنتظرْ دوري للتّنصيب ...


" الظلّ رقمُ ٣٠ ترقّيْتَ باسمِكَ للرّقمِ ٢٠ ".


هذا أنا، وها هُوَ اسمي ينتقلُ من فاهٍ لآخر، ولن أُضيّعَ فرصةَ التلذّذِ بنظراتِ الغيظِ، وذلك الاستمتاع يبدأُ على المنصّة ...

إنّني أراهُم، أرى تلكَ الأعيُنْ الحاقدة، المتسائلة، والتي أكلتها الحيرةُ مِنْ نجاحي، هذا ما أُريده تمامًا، أن أُشاهدَهم مِن الأعلى فقط؛ لكن المتعة لم تكتمل بَعْد، فقد أتاني الأمر بالنزول عن المنصّة بعدما تمّتْ الترقية لفوجِ الفرعيّين الجُدد، وهذا ما لا أُريده، أن يشاركني أحدهم بالوقوف على القمّة، أُريد الوقوفَ وحدي، والبقيّة في الأسفلِ يركعون.

لا يَهُمّ الحديثَ بالأهداف الآن، فالظلُّ الأكثرَ سوداويّة، مَنْ يَمتلك تلك الأهداف في الحقيقة، لذا عليّ التركيزُ الآن في خطوتي الجديدة، ما بعد الانتقال، بعيدًا عن الروابط العائلية.


وبهذا، أكون قد أحكمتُ سيطرتي على عقلها، وأصبح قلبها ملكًا لظُلمة الظلال، لم يتبق أمامي.. سوى هذا الباب، عبوره يعني العودة اليها والبدء في البحث عن قذيفتي الأخيرة، للقفز نحو القمّة.


أكره السيْرَ الفارغ مِنْ أيّةِ مواقف تستغلّها لصناعةِ قذيفتك، كالممر الواصل بين الباب وعالمي، لكن نشوة المتعة، بعبور المرآةَ الطويلة في غرفتها، أخرجُ من الجهة الأخرى لأمتّع ناظريّ بدخانٌ أسود يظهر من خلفي، ترتسم ضحكة عريضة ناريّة بين جزيئاته، ثمّ يتلاشى من فخامة صاحبه.

هي مؤثّرات تعطيني الهيبة التي أستحقّ، لن تراها على أيّة حال، فهم اغبياء كما ذكرت ويبصرون كل شيء ما عدا اعدائهم لذا يسهل التلاعب بهم.


وقفتُ بامتدادٍ على الأرض لجسدها، فأنا أختبئ كظلًّ لها، يا للمفاجأة، هذه حقيقة الظلال!! أجل.

تأمّلتُ حديثها الأخير مع زوجها قبل الرحيل، كان مشهدًا دراميًّا شهيًّا، وقد مُتّعتُ بكلِّ كلمةِ رفضٍ نطقتها، وعشقتُ آخر كلماتها له، بعدما وقفَ أمامها آملًا

" قرارُكِ الأخير! ".

هنا أبهرتني برِفعةِ رأسها، لتنظر إليه مِن طرف عينها، ناطقةً بإجابتها صاحبةَ الجلالة

" لستُ - أنت - كيْ أتراجع عن قراري، لأجل أحد ".

غادرت وسحبت مَنْ ذابَ في أحضانِ جُملتها، تِلكَ هي بشريّتي المطيعة.


كم بظنكم يلزم الحظ من الوقت كي يتسلل لحياتنا ويباغتنا بتحقيق رغبات وأمنيات عالقة فينا؟

أتعلمون أن حظي يحتاج جزء من الثانية ليسعدني بتلبية رغباتي؟


ها أنا ذا أجد الفريسة المناسبة لتسلق سلم الظلال والفوز بعظمة المنصب الرئيسي، الفريسة التي ستوصلني إلى ما أريد، وبسرعة لم اتوقعها، هذا هو الجنون بحدّ ذاته.

تلك الفتاة التي تقفُ أمام عزيزتي، تتسلّمُ أوراق توظيفها، لتثبيت الطلب، أجل..

إنها هي، تلك الفتاة..


من الذكريات المُترسّبة في قلبِ الجميلة خاصّتي، فها هي تتذكّر، ها هي تستعيد حقدًا قديمًا من أيّام المقاعد الدّراسيّة.

وجه متفاجئ ثم ابتسامة ساخرة هو ما خرج من بشريتي، وجود تلك الصديقة على كرسي المديرة لتقبل بها كأحد الموظفين لديها كان أشبه بمزحة أو مقلب ما، كيف لا وهي التي كانت الأقوى مقارنةً بصديقتها التي تعيش تحت رحمة الخير!!


"لم أركِ منذ زمن طويل"

ها قد نطقت!! صديقة الطفولة تبدأ بالشرارة الأولى، ولن نتركها تُشعلها لوحدها، أليس كذلك عزيزتي...

"نعم لقد غادرت هذه المدينة الصغيرة بعد آخر لقاء بيننا" غادرناها ليصحّ التعبير.

"أما زلتي..." نطقتها بتردّد، هذه هي فريستي بالتأكيد!!

"سيئة؟ شريرة؟ قوليها لما التردد! ليس وكأني أكترث"

"لم تجيبي بلا"

"ألن تنتهي من أوراقي؟"

"لماذا عدتي؟ لطالما كرهتِ هذه المدينة" يا له من ازعاج، ألم ينتهي التحقيق بعد!!

"إن كنتِ ستسألين فدعيني أنا أيضًا أسأل، كيف لك أن تصبحي المديرة؟"

"هناك الكثير مما تجهلينه عني"

"كما تجهليني أنتِ، لذا دعينا نوقف تمثيلية الصداقة العقيمة هذه وتوقفي عن سؤالي" بارعة.

"صحيح ... لم نعد مجبرين على الاستمرار في هذه الصداقة بسبب عائلاتنا" أتساءل ...


مهلًا!! أليس هذا ... يا إلهي يا له من حظ سعيد أملكه، ظل الدمية الجديدة لا يزال عجوزًا أي أن الفوز في مهمة الشر هذه سيكون سهلًا للغاية وسأصبح سيد الظلام والشر قريبًا جدًا. قوة شرّي حافظت على شبابي ويبدو أن خير الصديقة قد أضعف ذاك العجوز وإلا ما بقي على هيئة ولادته. العودة لمدينة مولدها كان قرارًا صائبًا، أنا فخور بعزيزتي، فاللعب بصديقتها سيكون ممتع بحق.


وجود شخص خيّر بجوار شريرتي كان أمرًا مؤرقًا لكلينا، فقد أفسدَت عدة خطط لي سابقًا وتسببت في تأخير وصولي لرتبة الرئيسين. علينا التمهّل في حياكة الخطة هذه المرّة، وبشكل متقن أكثر من الماضي، فذلك الظلّ العجوز، يجب انهاءه. في هذه المرة يا حبيبتي الخطأ حرية لا أملكها أنا، لذا كوني ذكية مطيعة للنهاية ودعينا ننتصر على تلك الصديقة.


يساعدني القدر هذه المرة أيضًا، حيث يكتب لبشريتي أن تدخل المقهى المفضل لها في ذاك اليوم وتلك الساعة بالتحديد لتجد فريستي تجلس مع صديقهم القديم، وما أمتع تلك اللحظات التي اشتركت فيها وساوسي وخططي مع ظل الصديق

لكني لا أراه بعد الآن!!

لقد اختفى ذلك المتهور اللعين، فقد كاد يودي بي لقاع الخاسرين


كيف لذلك الخبيث أن يختفي، كانت له أفكار غير اعتيادية أتذكر لحظة تزحلق الطلاب والمعلمين، انتقم من ذلك المعلم الاصلع الذي يخدع نفسه بارتداء باروكة رديئة الصنع والشكل، حيث طارت من فوق رأسه وسقطت فوق مرآة الحافلة، بعد خروجهم من المدرسة ظهيرة ذلك اليوم، لم يفلت أي منهم من التزحلق، كنا نراقب الوضع بينما الصغيرين أغشي عليهما من الضحك، وهما يراقبان من سطح منزل هذا الصديق، ولكن أيعقل أن والدته استطاعت إصلاحه! كِلا والداه صالحان وكان متعلق بهما، هل هرم ظله الى ان اختفى تماما من الوجود حينما لم يستطع جرّ دميته للشر؟ تبا، وقعت في شبكة تلك الصالحة وعائلتها.


في عالمي عالم الظلال المبجل تكتسب مقامك من الظلام الذي تحدثه في عالم البشر فخداع بشري واحد وإقناعه بكراهية وتدمير من حوله هي أول خطوة.. وأنا شخصيا أطمح لأن أصبح من عظماء بني جنسي ذلك الذي أوهم هتلر وأقنعه.

أن يترك أهل الفنون والمشاعر الجياشة

أن يحمل ألوانه وكل لوحاته ويرميها بقرب مكب نفايات مسكنه

أن يرتدي خوذة عسكرية ويتجه للحرب

أن يهلك من البشر ما يهلك

أن يصبغ الأرض بالدماء التي ترفض شربها

أن ييتم أحدهم ويشرد الآخر

آه لهذه الموهبة العظيمة تحويل فنان حالم لسفاح ميت القلب!!

درست خطوات أولئك العظماء وأنا هاهنا أعمل بجد لأصل لمستواهم فنجم كوكبنا هو الشر وطعام اهله هو الظلم ومعاش سكانه هو خداع البشر، حتى يتماسك عالمنا فالشر حاليا هو المصدر الوحيد للطاقة وإلى أن نجد مصدر اخر للطاقة سنتلاعب بهم وربما في يوم ما سيكون البشر من الماضي وسنحتل كوكبهم ويصبح لنا بعد أن يبيد بعضهم البعض بتوصيات بسيطة منا حينها سننعم بعالم اخر لنا.


ولجعل دائرة الحياة تدور كان لابد من قوانين تحكم، لذا نحن نرسل لهذا العالم كهولا وكلما زادت خطى الشر قلت أعمارنا، ومن منا لا يقدر على بشري يغير البشري المسؤول عنه الى آخر ويمنح 49 شهراً وإن لم يستطع جره للشر ازدادت تجاعيده وسقطت اسنانه وبدأ بالذوبان حتى يهلك. أما المتميزين فيحق لهم أن يتلاعب بأكثر من بشري واحد وذلك يعتمد على مواهبهم وقدراتهم الفريدة.


هذا ما وضعه العظماء من جنسي وهو ما يجعلني أمتلئ حماسة لتدمير تلك العائلة ذات الضحكات العالية


"آنستي ما هو طلبك؟".

"قهوة سوداء".

"بلا إضافات؟"

صرخت فيه " فقط سوداء ".

"عشر دقائق وستتلقين طلبك "


ناولها الجهاز الصغير فذهبت إليهم مباشرة، اتجهت أنظار العائلة لها باستغراب الصغار واستنكار من الكبار. ابتسمت ابتسامة لطيفة تشوبها ثغرات خبيثة.

" رأيتكم من بعيد، فأردت أن أُلقي التحية ".

ردت الزّوجة، البطلة المُبجّلة للعائلة

" لم يكن لهذا داع، فنحن لن نرى بعضنا كثيرا ".

" لهذا يلقي الناس التحية على بعضهم البعض، لأن لا أحد يضمن رؤية الطرف الاخر مجددا".

استطعتِ استفزازها عزيزتي، فها هي تردّ بسيطرة غضبها

"ثم ماذا؟".

لم أتوقّعها من ماكرتي، لكنّها وجهت حديثها الى الزوج، وهو يرتشف من عصيره رشفة، لينظر اليها صامتًا مذهولًا من كلامها

" لا انصحك بالإكثار منه، حتى لا تجد نفسك غارقا بفضلاتك كطفل صغير".

" أيتها الـ... ".

حسنًا، أعتقد أنّ عزيزتي تمتلك قوّة لإيقاف صفعتها قبل ان تصل، إذًا أسمعينا ابداعكِ

" أنت المسكينة الحقيقية في هذه المعادلة، فبدلًا من تنظيف طفليك فحسب، يجب عليك، أوه يا لي من وقحة فقد زل لساني، فالتبول اللاإرادي ليس بشيء تخجل منه ".

انتهت المعركة بسحب الزوجة يدها، ورنّ الجهاز في يد متطفّلتي، لتنهي حديثها قبل المغادرة

"اعتذر، ولكن يبدو أن طلبي قد جهز، الى اللقاء فلا وداع بين الأصدقاء".

خرجت من المقهى وهي تستنشق رائحة القهوة وتغني بعد أن افسدت مزاج أحدهم.


فخامة فستانها الأسود تضيف لمسة جذابه لشرّها. ها هي عزيزتي تضع لمساتها الأخيرة لتصبح جاهزة لذلك الاجتماع العائلي البغيض. العديد من الطيبين سيتواجدون هناك ومسؤولية الشر ستكون أثقل عليّ. عليكِ أن تكوني ذاك الحدث المميّز في الاجتماع، عليكِ أن تريهم حجم التغيّر وما أصبحتِ عليه الآن. لا تسمحي لضعف الخير أن يسيطر عليكِ، فالعزّة للأقوى.


طرقتان على الباب هي ما كانت تفصلنا عن الماضي. وجوهٌ مألوفة بتعابير اعتادت جميلتي على رؤيتها في السابق بصمت مكبوت تحت تأثير النفاق، التقت عينا بشريتي بإحدى الحاضرات فاكتسى الخوف ملامح الأخيرة، وهذا من جمال الحياة، أن تكون ذكريات الماضي دون تاريخ انتهاء خصوصًا السيء منها، فماذا لو كانت ذكرياتك المؤلمة تبتسم بسخرية أمامك؟ فترة التلاعب بتلك الخائفة كانت ممتعةً بحق، الجميع يلقب بشريتي بالمتنمرة، لكني أراها بطلة عظيمة في فن التلاعب. سحقًا يكاد عقلي ينفجر من الحماسة لتنفيذ خطة اليوم.


انطفأت صواعقي قبل أن تشق طريقها في السماء، وكأنّ الغيم تراكم ليُظهر قوّته بخيوط ضوئه، لكنّ غباء بشريتي قد أسقط المطر مبكرًا بعد سماعها لآخر إنجازات صديقتها المزعومة، لتتقدّمَ الأخيرة بحرجٍ أمامَ الجميع وبتواضعٍ تافه قامتْ بالرّدْ على إطرائهم الكاذب، وكأنّها أنقذت العالم من كارثة على وشك الحدوث، كُنتُ أشعرُ بغيظِ مملوكتي، فقد جمعت قبضتها، وعصرتها كيْ تتمسّك بالصمت إلى حين الموعد، لكنّ الحقيرة في الأمام قد نجحت بفكّ لسانها.. فقد وجّهتْ نظرها إلى مفسدة الخطط وابتسمت بإشفاقٍ على حالها، همّت بقولِ شيء ما، لكنّ حماقة بشريّتي سبقتها، فقد شدّدتْ العصر في القبضة وأشارت بيدها الأخرى نحو صديقتها لتبدأ برمي اتهاماتِها بلا أدلّة. كانت كأحمقٍ حاول إشعال عود كبريت أسفل المطر "المظاهر دائمًا ما تخدع، هيَ فقط صنعت الصورة الحسنة منها، كيْ ترمي بأخيها بعيدًا وتستحوذ على المال بأكمله، هي من قامت بدسّ الممنوعات في طعامه".


صُعِقَ الجميع من هجومها الشّرس، وأصابني الغثيان من غبائها، ليحوّلوا بأنظارهم المتألّمة إلى الضحية المزيفة قبل أن يعودوا بنظرات الغضب إلينا، لتبدأ الهجمة المضادّة بالخروج من أفواههم، حتّى تدخّل والدُ مملوكتي بالاعتذار منحنيًا عمّا بدر من ابنته، وأنا شاكرٌ له، لكنّ الحماقة لا تنتهي هنا، فقد أصّرت على اتمام حديثها، واخرجت هاتفها لتعرض الصّورة التي التقطتها لهما

" انظروا جميعًا هذا مجرم لعين يقف معها، الم اقل لكم أنها متورطة مع مجرمين ".

جارتها الصديقة بابتسامة مُشفقة، وأنا عليّ فقط تحمّل المزيد من الخسارة

" ارجوكِ توقفي عن إحراج ذاتك أكثر، كيف لي أن أعرف مجرمًا! ".

" يا لكِ من شيطانة ماكرة، لقد رأيت رسالته لكِ في يوم رفضكِ لي ".

" لما تأخذين كل شيء بحساسية؟ دوري يقتضي أن أوظف الشخص المناسب في المكان المناسب وأنتِ أفضل مما تقدمتِ إليه". حسنًا لقد صعقت أنا أيضًا بكم المكر الساكن في تلك الصديقة، لكن ليس ذلك فقط فها هي تشعل قنبلة أخرى

"ثم كيف لكِ أن تعرفي أنه مجرم؟ أليس ذاك هو ماضيك أنتِ والذي حاولت جاهدة أن أنقذك منه؟"


لم تستطع بشريتي الردّ، وكيف لها أن تتجاوب من رد فعل تسرعها، فبقيت الغبيّة متسمّرة في مكانها وأنا الظلّ المسكين، نواجهُ وجوهَ التأنيب وهمساتِ الذُّبابِ القذرة من حولنا، ففي النهاية، وقعتُ ضحيّة حماقةَ أحدهم! لذا أرجو أن تفعلها سريعًا وتُغادر، فلم أعد أتحمّل طنين الذّباب.


كانت الأخرى تتباكى وقد تجمهروا حولها، كلٌّ يحاول التخفيف عنها حتى انسحبت، وأخيرًا تحرّكت قدماها، تملّصت من قيودهم وهربت، استطاعت الخروج من دائرةَ النّفاقِ المُنحَطّ، فهذا ما اجتمعنا على رفضه بشدّة، حتّى ذُبنا في البُقعة المكشوفة منه.


انتهينا خارج المنزل لوحدنا، ذلك يغيظني، تبًّا، كيف وصلت الأمور الى هنا!! مهلًا.. يبدو انّها قادمة، أسمع طلبها منهم بوضوح، رغم محاولة الجميع منعها، فتلمّعت باسم الصداقة

"ربما لن أراها مجددا لعشر سنوات أخرى، أريد اخبارها بشيء، لربما حينما نلتقي مجددا ستختفي كل هذه المشاكل، ويبقى الحب والذكريات الجميلة".

من صوت خطواتها، تحرّكت بسرعة لتلحقنا، وقد استخدمت اللّمعان من جديد

" رجاء اتركونا لوحدنا ".


بقينا وحدنا مدة قصيرة اقتطع هدوئها صوت أقدام تتجه نحونا وما هي إلا دقائق حتى ظهرت تلك المخادعة أمامنا. سيلان كحل رديء والعيون الحمراء كل ما يحتاجه المرء لتزييف البكاء، ليس بجديد، فدموع التماسيح هوايتها المفضلة.


ها قد تقابلتا مجدّدًا، وها هي ذي تقفُ أمامنا، وعجوزها يقف بثقة!! هل يُمازحني؟!

هو لا يَعلَمُ بعد ما أُخفيه في جُعبتي، نملك صورة رسالة موعد اللقاء التي وصلت صديقتها مِن قبل المروّج، عليكَ تقبّل الخسارة، سأجعلك تختفي قريبًا ...


رأيتُ نظراتٍ لا مُبالية تتجه نحوي، فرفعتُ رأسي مُتفاخرًا بشبابي أمامه، إنّها لحظة تتويجي ولن أُضيّعها بالتواضع، أجل، هيّا عزيزتي، عليكِ بإذلالها، لا زال هناك دليل، صورة الرسالة، أخرجيها، وجمّليها بوضاعتك ...


لكن تبًّا، لما أشعر بأنّ شيئًا خاطئًا يحدث!! مراقبة ظلها المبتسم هو الآخر مقلقة، مهلًا!! لماذا يبدو أصغر سنا فجأة، هل كانت تلك حيلة منذ البداية؟ لماذا لم اكتشف ذلك من قبل؟ كلماتُ دميته ايقظتني من افكاري، وقد لاحظتُ ابتسامته تتسع شيئا فشيئا!!

"هل ظننتِ أن حيلة دنيئة مثل هذه ستهز صورتي امامهم".

ما الذي تتفوّه به؟ هل هناك المزيد!!

" أكنت تعلمين من البداية؟ ".

" أجل فأنا التي مهدت لك المسرحية المحرجة التي قمتِ بها ".

" وهذا ما دفع ذكرياتي للوراء، الم يكن هو نفسه تاجر المخدرات الذي كان طلاب مدرستنا يتعاملون معه ".

"هو بعينه ".

" هذا هو مخططك من الأساس، أن تظهريني أمامهم بمظهر المجنونة المرتابة! ".

" وأكثر ".

" منذ متى وأنت بهذا الذكاء؟".

" منذ البداية، ولكن أفضل ألا الطخ يدي بأية قذارة ".

" لا تغتري بنفسك، فقد كنت مهذبة وهادئة في الماضي ".

" بل كنت العقل المدبر لكل المخططات ".

" يا لك من كاذبة ".

" أتذكرين حينما رششتم الأرضية بالصابون؟ أنا من اخبرتك عن مكانه هذا كل ما فعلته ولأني اعرف كيف تفكرين لم يكن صعبا تخمين ما ستقومين به ".

توقفت بشريتي للحظات صامتة مذهولة وشريط طفولتها يعيد نفسه ولكن بتفاسير جديدة لما كان.

" لذا أنا تركتك تحرجين نفسك اليوم، وجعلتيهم يعتقدون أنك مجنونة كما قلتي، تذكري ذلك، كان من الممكن أن اجعل موقفك اسوء ".


شعرتُ بالضعف، أحسست بالعجز لأوّل مرّة، فذاك الظلّ العجوز بدأ باستعادة صحّته، وأنا تدحرج عمري للكهالة سريعًا، أهذه هي النهاية؟ لا، ليست كذلك، لن أُهزم بسهولة.

ركبت بشريتي سيارتها، أدارت المحرّك، ثمّ عجلة القيادة، لتتجّه نحو صديقة طفولتها، والأخرى تهرب راكضة، فكادت أن تدهسها تقريباً وقبل أن يحدث ذلك توقفت وسقطت ".." على الأرض من الرعب وهي تتنفس بصعوبة، فتحت نافذة السيارة، ترمي بكلمات النصر :


" تذكري هذا جيدًا، لقد تركتك تعيشين وكان من الممكن أن أجعله أسوء وأرسلك للعالم الآخر فلا أحد يحاسب المجانين !!".ثم قادت سيارتها مبتعدة وصديقتها تضحك بهستيريا وكل من في المنزل خرج راكضا نحوها للاطمئنان عليها، متعجبين من تلك الضحكات.

ميمونة عصام

لطيفة محمد

نورة العتيبي



21 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل