شعار مداد.png

كُتب عليه الرحيل


كُتب عليه الرحيل، فأمسك بحقيبته متأملا ما الذي عليه أن يحمل في تلك الحقيبة؟ قرر أن يحمل كل ما يشتاق إليه فيها، وبعدها فكّر كيف له أن يحمل مدينته بأكملها فيها؟ كيف لحقيبته أن تتسع لكل شخص يعرفه؟ كالماكثين في مقهى الحي الذين يتحدثون مع المارة، أم كيف لها أن تتسع لرائحتها؟ كرائحة الخبز الصادرة من مخبز الحي، أم كيف لها أن تتسع لأزقتها؟ أم كيف لها أن تتسع لقصورها ومكتباتها ومتاجرها ولكل شيء فيها؟ كيف له أن يحمل مدينة بأسرها في حقيبته الصغيرة، كيف له فقط أن يسمع اسمها من أحاديث أحدهم، أو أن يقرأ اسمها في الكتب كما لو كانت مدينة عابرة؟ كيف له أن يجتثها من صدره وأن يرحل بفؤاد عار منها؟ كيف له يرحل بقدميه الحافيتين من ترابها إلى الأبد؟ حاول أن يواسي نفسه بعدة كلمات قرأها في كتب مكتبة المهترئة "نحن ننتمي إلى الأماكن التي نحلم بها" فلم يجد أنه انتمى لحلم في أي يوم انتمى لمدينته، فقط إلى الشقوق في سقف منزله، إلى زقاق حيهم الحجري، إلى إضاءة الشارع التي لم يصلحها أحد منذ أن سكن في ذاك الحي، إلى أرضية حيهم الزلقة في موسم الشتاء، حاول ألا يستسلم ولكن كان الاستسلام أقوى من جسده الهزيل، وأخيرا حاول أن يجد السلام في نفسه لعله سيشرق في مدينة أخرى.


حصة العمر




14 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل