شعار مداد.png

لو استطعتُ .. لفعلت

أفتقد لوحةً رسمتها من عُمر البراءة، كانت تحوي أبي، أمي وأنا أوسطهما، كانت طيوري قد حلقت بسعادة، فقد عبرت عن حبي العظيم لعشيقَيْ . حضنتها وجريتُ بها نحوهما، قد جلسا في غرفة المعيشة وأبديا إعجابهما والتشجيع لإكمال مسيرتي الفنية، لكنها توقفت عند تلك النقطة، فقد بدأتُ أعرض لوحتي أمام من يزورنا من الأقرباء، فهذا يتجهم وجهه لعدم إضافته، وذاك يُخبرني بجمالها لكنه حزين لعدم وجوده بين الأحباء، وغيره من أحب العمل الفني وأعقب بعتابٍ طفولي يتلاءم وحجمي، فصار هو الآخر جزءا من اللوحة، ولا نسيان لمن أفسدها وبلا مبالاة بشرارِ سيجاره، فأضحت مرشوشة بفتات سمٍ قاتل، أوقف مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ.

أرقني ضجيجٌ صاحبني بأيامي الفائتة، فأخرجتها من مخبئها وتوقفتُ وقتًا طويلًا أتأمل اللوحة، أبحث عن سر شعورٍ لم يفارقني منذ أخفيتها فوق خزانتي، وقد كان لي أملٌ في الحصول على مفتاحٍ يخلصني منه، الضجيج، حيث الكثير من الحوارات تتردد، مشاهد لا تُحصى يعاد عرضها، ومعادلات لغوية تُقام ليتم التنقيح والخروج بالنسخة السوداء لكل موقف، هنا تتصدر المبادئ الطاولة وتضرب بمطرقتها، فتنطق بالحُكم ويبدأُ مسلسل الأخذ بالثأر، والانتقام، لسيد الشكاوي، الكبرياء .

أبحرتُ في تفاصيل رسمة طفل لم يبلغ السادسة، ارتديت أدوات الغوص، وقفزت في أعماقها، رأيتُ ذات النوايا التي أبصرتها من سنواتٍ قِلال، سخرتُ بها من فراشات أزهرت أفكاري، وجعلت من عقلي حديقةً تُكرم من يدخلها بعِطرِ وردها، وتمتعه بهبوب نسيم خضارها، يقطفون من رحيقها، فتسامح، هُم لا يقصدون الأذية، ينتفون من الأرض بُصيلاتها، لا بأس، بطيب نية! وتمتد الأيادي لأغصانِ حياته النامية، فتتابعُ بصدمة خرابًا قبلت بصغائره وها هي تجني عظائمه .

قُطفت الزهور، نُتفت منابت حشائشها، وتم قطع الجذع وسلبه بابتسامة مُشفقٍ على ساذجٍ فتح بابه وها هو يغلق بقاياه، استدرتُ متأملًا أرضًا جرداء وحطام نافورة ونصف جذعٍ مائل، وبعض جذوره بالكاد تتمسك بتربتها، صورة أخذتها لحديقتي السرية وقد أصابها الدمار، أُبعد العدسة، متأملًا الشاشة اللاقطة، أتفحص الصورة بضحكات علت وارتفعت، أطلقت العنان ثم اختفت في لحظة .

بقي ضميري يعمل حتى جلدته مرارًا كي يترك الكبرياء يتحرك، ستدير المنشأة بشكلها الجديد، بعد تحول تخبط ضائع في الفراغ لسنين طوال، وأخيرًا، وُلد كيانٌ من رحمِ لوحة، اختفت فوق الخزانة، وأضحت مُتناسَية، وها هي تعود وبإرادة طفلها، فقد أرهقته لوحاتٍ رسمها له شخصه الجديد .

تجاوزت خلال غوصي في أعماقها، المتجهم والمعجب والمُحب، حجبت أذني عن سماع شريط حلواهم المغلف، وانطلقتُ سابحًا إلى الأدنى، لأجد أخيرًا من بحثتُ عنهم، يقفان وفي وسطهما أنا من طفولتي، استقررت على أرضيتهم باستقامة اهتزت بدموعِ شابِ ضعُف أمام عَشيقيه، سألتُ ما أرهق كاهلي ورسم تجاعيدي باكرًا

" لمَ تركتماني أكبُر ؟".

ابتسمت أمي، والكلمات قد ترسمت في ملامحها، وأٌكدت بالنُطق

" لو استطعتْ .. لفعلت " .

إجابة طبيعية أمي، لكنها لم تُشبع فضولي المُرهق، لماذا نبدأ بهدوء ونمر بضياع ثم نصل إلى المنطق أخيرًا، لكنه يحتال ضجيجًا لا ينتهي ؟!.

هل من سرٍ يخرجني من هنا ؟.

ضحكتُ بسخرية لحالي، وأعدتُ الاجابة، فيبدو أنها كانت تقصدني بها

" لو استطعتُ .. لفعلت ".


ميمونة قاسم

30 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل