شعار مداد.png

لو كنت

عندما ازداد الهم فوق كاهليّ، وأمي التي أنجبتني لهذه الحياة عجِزتْ عن فهمي وعجزتْ عن إيصال مبتغاي لها، خرجتْ للحديقة المجاورة لمنزلنا لأُزيحْ ولو القليل من تلك الهموم، جلستْ على كرسيَّ المعتاد مقابل البحيرة الصغيرة، وبدأتْ عينايّ بالتخليِ عن لآلِئها لؤلؤةَ بعد أخرى، بكيتٌ حزناً وألماً وحرقة..

(( لمَ أنا ؟! )) احتلَّ هذا السؤال تفكيري، بعد لحظات ربما، جَلستْ بقربي فتاة تبين لي بعدها بأنها بذات عمري تقريباً، لم أشعر بجلوسها إلا بعدما أحسستْ بيدٍ حنونة تربتْ على كتفي، نظرتُ لها بأعينْ تفيضُ بالدمع، كانتْ شفتاها تنطقْ بكلمات لم أستطع تميز معناها، نظرتُ للبحيرة وازداد بُكائي، وَضعتْ يدها من جديد على كتفي، مازالت تُتَمتم بكلمات لم أفهم مغزاها، كنتُ سأغادر لولا انتباهي للعصا التي بجانبها ولعينيها أيضا، عرفتُ حينها بأنها (عمياء)، التفتُ نحوها، ملامحها رقيقة وعذبة، ابتسامتها خلابةَ، أوجعني جمالها، جمالها الذي حُرمتْ من رؤيتهِ. بالرغم من عدم إجابتي لها مازالتْ تتحدثْ وتواسينيِ، أحرقتني كما لم يحرقني شخص يوما، أحرقتني مواساتها، نظرتُ حولي باحثة لعلي أجد المُعيل، لم أجد سوى طفلٍ صغيرٍ يلعبْ، ذهبتُ نحوه وحاولتْ بتِلك الحركات الركيكة التي تعلمتُها بالمركز أن أفهمه بأنّي صماء حتى يخبر تلك الفتاة وتكُفْ عن محاولاتها لمساعدتي، ولكنه لم يفهم، تركته ونظرتُ لها بأسى، بأسى على حالي وحالها، كيف تراني أخبرها بأني لا أسمع ما تقول ؟! كيف أخبرها بعجزي المشابه لعجزها ؟! نظرت لها من بعيد مودعَة وعدتُ لبيتي أجرُ خلفي خيباتي وعجزي وقلة حيلتي. دلفتُ لغرفتي بعدما أوصدتُ بابها، وانزويتُ في مكتبتي، لأُطلق سَراح كلماتي، أتركها تُبحر في بحرِ الورقْ، لا يمنعها عجزُ لسانْ ولا أُذن. أغلقتْ أبوابها ولم تسمح للكلمات من العبور، أخذتُ سِلاحي وخَططتُ فوقَ بحرِ الورقْ كلماتي.. "صماءٌ وعمياء، سُخرية القدر تجمعهما،

في جزيرة وحدهما ، لا عائل ولاَ معيل معهما صُدف تفرد بها، ومُكرٌ خبيث يُحيكه أنا وهيَ وحدنا..

هل يا ترى ستنفعني الحركاتْ الركيكة التي تعلمتها؛ الحركات التي لا يفهمها إلا القلة، كيف لعمياء أن تُبصر تلك الحركات و تفهم مغزاها ؟! كلماتها، تساعدها في التعبير عن ما يخالِجْ صدرها وتعجزْ عيناها في إيصال مغزاها، هل ستساعدانها الآن أمامَ فتاةٍ صماء؟! كرهتُ عجزي، كرهتُ تلك النظرات التي ما أن تراني حتى ترمي بسهامها، سهامُ إشفاقٍ أحياناً، وسِهامُ تكبر واستعلاء أحياناً أخرى، سهامُ سخرية في كثيرٍ من الأحيان. تعبَ قلبي، لم يتوقف نزيفهُ أبداً، وفي كل يوم يزيدُ فقدانه لدِمائه؛ مع كل كلمة أُريد قولها وتعجزْ أمي عن فهم معناها، مع كل كلمة، أيُّ كلمة !!! مع كل حركة أُريد مواساة صديقة بها، وتمنعها دموعها من النظر لي أموتُ أكثر و أكثر، وينزف قلبي أكثر وأكثر ... صحيح بأنَّ العِلم قد تطور، وسماعات الأُذنْ وجِدتْ لحل مشكلتنا ولكن الناس هُم الناس ، نظراتهم لي بسماعات ملتصقتان بأذني طوال الوقت هي ذاتها لم تتغير، أُبحر بخيالي أحيانا وأُفكر، لو وُجِدتْ شريحة صغيرة مثلاً أو حتى كبسولة لا بأس، تُنهي العجزْ، تُزيل هذه الكلمة من القاموس، تَنفيها بعيداً، بعيداً جداُ .... لمكان وجُودها وعدمه واحدْ، كبسولة تُنهي العجزْ، تُمكن أذنايّ من التقاط الأصوات كما من المفترض أن تكون، تُرجع لمن أصابه العمى بصره وبالرغم من أنِّي أجزم على أنهم يملكون بصيرة تفوق أبصارنا وبصيرتنا، تُرجع عضواً لمنْ فقد جزءًا من أجزائها ودفنها تحتَ الترابْ، ومن كانَ الكُرسيّ رفيقه تجعله يمشي على قدمينْ. كم كنّا سنعيش براحة، كنا سنتساوى كلنا في كفة واحدة، كنتُ سأصادق تلك الفتاة، ربما وعزلنا في جزيرة بمفردنا لم يكن بهذا السوء، وسهامهمْ تلك يُبطل مفعولها، سِهامهمْ التِّي تجعلُني أتمنى في كل مرة لو بقيت في رَحمِ أُمي أرْحم لي من هذهِ الحياة، لو وُجِده هذا المنتجْ لكنتْ..." وسق الأزهري

14 عرض