شعار مداد.png

ما أجهل البشر

(1)

خرج عبقر السادس عشر من ديار قومه في البُعد الآخر من العالم، وللتوضيح عزيزي القارئ، فثمَّ عالمان، عالمٌ الرؤية حيث يعيش البشر والحيوانات والجمادات، يرى بعضهم بعضاً ويجري على قوانين الفيزياء، وعالمٌ آخر هو عالم الخفاء، حيث يعيش الجنًّ وما لا يُحصى من المخلوقات، والميزة أن أهل العالم الثاني يرون العالم الأول بتفاصيله، أما العالم الأول فلا يرى من الثاني شيئاً.

عودةً إلى القصة، خرج عبقر وحدَه ليستكشف عالم الرؤية، وقد كان يسمع به سماعاً من جنّ قريته، بأنَّ فيه صنفاً يدعى البشر، لكنه لا يعلم عاداتهم وأفكارهم وأفعالهم، لذا أراد استكشاف ذلك لا بالسماع، وإنما بالمعاينة، وليس من رأى كمن سمع.

خرج يركب الغيوم إلى هنالك، ونفسه توّاقة إلى كشف المجهول -وللاستكشاف لذّة يعرفها من جرّب- وعندما اجتاز بوابة عالم الرؤية تكشّف له عالم فسيح لم يكن له قِبَلٌ به، فها هو يرى الشمس على صورة مختلفة عمّا هي عليه في عالمه، فالشمس هناك عقوبة تحرق المذنبين، لقربها منهم، وهنا هي دافئة تبعث على الأمل، ورأى الماء يجري في أجرام كبيرة علم بعدُ أنها تسمى البحار، ورأى جلد الحيوانات ولحمها وكان قبلُ يرى عظامها فحسب، يجلبها لهم صيّادو الجن ليطعموا قومهم.

واستمر يمشي وكلما تقدّم تبيّنت له تفاصيل جديدة، فزاده ذلك شوقاً إلى المُضي ومقابلة البشر، الصنف الأعظم في هذا العالم.

وبينا هو يمشي في سمائهم، إذ بشهابٍ سريع يفجأ عبقر ويهوي به إلى مكانٍ في الأرض سحيق!

قام متألماً من هذا الذي ضربه وألقاه في باطنِ الأرض كأنه دودة، وقد كان كالصقر.

لكن هان عليه الأمر بعدما رأى قريباً منه المباني الشاهقة، فعلم أنه وصل إلى عالم البشر، مشى حتى دخل المدينة، فرأى القصور والسيارات والبشر يمشون ويروحون، فأراد أن يكلم أحدهم فلم يستجب فتذكر أن البشر لا يسمعون الجن ولا يرونهم! مضى حتى بلغ إحدى المنازل، وقرر أن يمكث فيه ليستكشف حقيقة البشر، واختاره لأنه سيتعرّف سلوكيّاتهم عن قرب.


(2)

بعد أن أقام عبقر في هذا المنزل دهراً، كتب تقريراً يلخّص فيه نتائج استقصائه لجنس البشر، قال فيه:

معكم عبقر السادس عشر؛ جنيُّ هذا المنزل، أرى ولا أُرى، وقد أتاحت لي هذه الخاصيّة رؤية الطباع الحقيقية لهؤلاء البشر! فقد ظننت بادي الأمر أن طبيعة البشر تقتضي التناقض في الشخصيات، فللمنزل شخصية، وللشارع شخصية مختلفة، حتى سمعتهم يذمون الكيل بمكيالين، وأن هذا يسمى في فكرهم التلوّن أخذاً من تلوّن الحرباء.

ومن ذلك أنني أراهم يحذرون الأطفال نظرياً من الكذب، وأنه يقود إلى النار، ثم هم يخوفونه حتى يضطرّونه إليه، بل هم فوق ذلك يكذبون، فحين يريد منهم شيئاً يقولون له: إن شاء الله.

حتى حسب طفلهم أن إن شاء الله ظرف زمان مثل الصباح والمساء والظهر، أو أنه شهر من الأشهر كالمحرم ورجب وشعبان، ولكنه لا يأتي أبداً!

المهم، عرفت أيضاً أن هؤلاء البشر يذمون ما يجهلون، فهم لا يعرفون عنا وعن عالمنا شيئاً مع ذلك يؤذوننا، ويخافوننا، وينسجون عنا الأقاصيص من كيسهم الواسع!

ألا ما أجهلهم وأصغر عقولهم.

ثم قد وجدتُ أنهم فرحون بعقولهم التي في رؤوسهم ويسمون الصفات الجيدة إنسانية، مع أنه لا يفسد أحد هذا الكون مثل ما يفسدون، فما سبب التلوث في البحار؟ ومن يعبث بأرزاق الكوكب بالصيد الجائر؟ ومن يقتل بني قومه لا للأكل كما تفعل الحيوانات، بل للمتعة في أحايين كثيرة! ثم يقولون عن يسمون مُثلى الصفات: الإنسانية!

أليس الأولى أن تكون: الجنيّة، أو الحيوانية؟

ثم إنّهم يدّعون القوة، ويفرحون بأن أقاموا شاهقات المباني، وبلغوا السماء بطياراتهم، واكتشفوا الكوكب بعقولهم، وهم -في حقيقتهم- غايةٌ في الضعف، يمرضهم الماء البارد، وتقتلهم الحشرات والفيروسات!

ألا ليت قومي رأوا ما رأيت، ولئن لم ينتهِ هؤلاء البشر الحمقى عن غيّهم وكبريائهم، فسنغزوهم وننهب خيراتهم، فما لهم علينا من سلطان إلا سلطان المدد الخارجي ممن خلقهم وخلقنا، بأن يعودوا إلى رشدهم، ويصلحوا باطنهم وظاهرهم.

ألا ما أجهل البشر

ألا ما أجهل البشر!



عبد الرحمن الشنقيطي

18 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل