شعار مداد.png

مدن من ضعف

تم التحديث: يوليو 9

قوته كانت بحدودِ عتبةِ الباب، فعندما اختلى بنفسِه؛ زالتْ مِنهُ كلُ تلكَ الأقنعة، ورُميتْ ألقابُه بعيدا، ودموعُه التي لم تنهمرْ عادتْ لتطلبَ النزولَ من جديد، وأبوابُ إنسانيتِه الصَدِأَةِ بدأت تُفْتَحُ شيئا فشيئا حتى أصبحَ شفافًا للغايةِ كمَا لو كان حَفْنَةً من زجاجٍ، مجردًا من زيفِ دروعِ القوةِ.


أصبحَ ضعفُهُ يصرخُ بأعلى صوتِه، لم يعدْ يكترثُ لسرٍ ولا لعلانية، ورياحُ خوفِه هبَّتْ من كلِ مكان، وملامحُه غَدَتْ كأرضٍ دمَّرَتْها عاصفة، كان كلَّ أثرٍ للقوةِ في نفسِه قد تحولَ إلى شَظَايًا صغيرةٍ، وتَبَدَّدَ كَمَا لَوْ أَنَّهُ لن يجتمعَ مرةَ أخرى.


رأى عجزَهُ بوضوحٍ، وقابلَهُ وجهًا لوجه، فكان كلما نظرَ إلى المرآةِ رأى في تقاسيمِهِ مدنًا من ضعفٍ تَشَكْلَتْ على خارطةِ وجهِهِ، لطالما ظنَّ أنَّ بإمكانِه أنْ يُخضِعَ القوةَ بجبروتِه، ولكن كما لا ينتمي الأسيرُ لأسرِهِ لم تنتمِ قوتُهُ إلِيهِ، فما لبثَ أن غَفِلَ عنها قليلا حتى فَرَّتْ هاربة. 


لم يكن لديهِ مكانٌ يلتجأُ إليهِ، أو يُسْنِدُ عليه كتفِيهِ الباليين، وكأنَّ الدنيا الكبيرةَ قد ضاقتْ عليه، الفراغُ الذي بداخِلِه لا يمتلأ، وصراخُ جوفِهِ لا يُسمع، الكثرةُ حولَهُ لم تُنْجِهِ من قسوةِ الوحدة، فكان يبدوْ كما لو أنهُ عاصفةٌ لم تَهُب، وشتاءٌ لم يَحِل، وحُطَامٌ لم يُرَمَّم.


كانتْ المآسيُ في حياتِهِ كالضباب، يستطيعُ الكلُ رؤيتَهَا، إلا أنهم لا يجدونَ في نفسِهِ شيئاً ملموساً، لطالما أرادَ أن يتشبثَ بقوةٍ بأولِ يدِ تُمَدُّ إليه، إلا أنهُ لم يكنْ لأحدٍ أنْ يعلَمَ أنَّ خَلْفَ قصورِ القوةِ تلكَ، بيوتاً خَرِبَة.


حصة العمر




للاستماع للنص 🎧

أبل بودكاست

جوجل بودكاست

24 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل