شعار مداد.png

مقتل يوسف وانتحار آدم




طريقٌ طويلٌ يشق الغابة الخضراء، محفوفة بأشجارها العالية، تتسلل أشعة الشمس من خلالها، منظر جميل الرؤية.

وأنا أقود بسرعة هائلة حتى صادفني ذلك المنحنى المغلق للتصليح، لكن المكابح أبت أن تعمل ! حاولت مراراً متمسكِا بالأمل الضئيل رغم الواقع الأكبروهو أنني سأموت الآن حتماً، حتى حطمت الحواجز وانتثر الزجاج أمام عينيّ لينتهي بي بضربةٍ قويةٍ بالرأس ومن ثم اندلعت النيران.

استيقظتُ فزعًا على صوت المنبه، رغم إحساسي بالموت قبل ثوانٍ في ذلك الكابوس، ياله من صباحٍ مُبشّر ابتدأ به يومي إذاً !

هذا ما قلته لنفسي ساخراً وأنا أشربُ قهوتي بعجلٍ بعد أنْ ارتديتُ بزّة العمل، وأخذتُ حقيبتي، فاليوم لديّ صفقةٌ مربحةٌ لابدّ من إتمامها.

توجهت لمقرِّ عملي وأنا كلّي شغف، ما الأجمل من أن تحظَى بسعادةٍ ورضىً دوماً عند ما يشعرك بالحياة ! وهو عملُ ما تحب، تكلّلت صفقتي بنجاح مما أضفى على يومي المزيد والمزيد من السرور والامتنان، لكلِ ما يوجد في حياتي، كان العمل مرهقاً بلا شك، حتى أتاني استدعاء إلى مكتب المدير لسببٍ أجهله، توجهت إليه وأنا شارد الذهن وطرقت الباب ليوافيني بالرد :

-أهلاً برجل أعمالنا الناجح آدم

أجبتُ بكل سرور : نجاحي هو نجاحكم وكل هذا يعود لدعمك وثنائك .

ابتسم ولمسة حزن تكتسي وجهه قبل أن يردف: بل أنت فخر لشركتنا، فمنذ أن فارقنا عزيزنا سامي منذ سنتين بحادث السيارة المشؤوم كنت أنت من تولّى جميع أعماله وإنجازها بعده بسهولة وكنت خير الصديق له .

أجبت : كان هذا واجبي اتجاهه فقد كان أعز أصدقائي .

-بالتالي يا آدم أحببت أن أبلغك بأننا سنقوم بتكريمك كأفضلِ مدير بالشركة هذه السنة كما السنة الماضية في الحفل التكريميّ السنويّ، فلذا استعد للغد .

غمرني شعور عجيب من الفرح، وأنا أُصافح المدير وأشكره على اختياري وثقته بأعمالي مجدداً وخرجت من مكتبه ممنونًا لكلّ تلك اللحظات التي مررت بها: الصعبة، المتعبة، المريرة فهي ما أوصلتني إلى هنا .

عدت في نهاية اليوم إلى شقتي الفاخرة المتوسطة لذلك المبنى الشاهق في الدور الثا لث عشر، أنرت المكان ورميت جسدي على الأريكة مباشرة ، أخذت أقلب التلفاز بين قنوات الأخبار والأفلام، لا شيء يدهشني كالعادة، رن الهاتف ليدهشني برنينه في هذا الوقت المتأخر، رفعت السماعة وانساب معه صوت أنثويّ :

-هل أتحدّث مع آدم يوسف؟

-نعم هو، من يتحدث معي؟

-أعتقد بأن الحياة أنستك من أنا، وحان الوقت لأدع الحياة تنساك .

تسمرت عيناي وأخذت أحدّق بالفراغ قبل أن أجيب : نور؟

-أتقصد نور التي وعدتها بأن تحظَى بالحياة السعيدة معك بعد مقتل زوجها على يدك؟ أم تقصد نور التي دمرت حياتها وخسرت زوجها ومالهُ بعدما تعبثت به؟ نعم أنا نور التي وثقت بك وعاشت أيامًا من تأنيب الضمير بانتظار نجاحك بعملك لنعيش سوياً لكن ماحدث غير ذلك .

-تعلمين بأننا كنا شريكين بذلك وأنا . .

قاطعت حديثي بصوت مرتفع : أتدرك بأنني لم أنعم بليلة واحدة منذ وفاته بتلك الجريمة البشعة، كيف لي أن اصدق بأنني وافقت على مقتله وتعطيلكَ لمكابحه بكل سهولة، ومن ثم ماذا؟ اختفت كل تلك الوعود وأكملت حياتك وأنت تخفي عملك البشع، لدي كل الأدلة التي تثبت ذلك وقمت بإرسالها لمركز الشرطة، حياتك انتهت.

وضعت الهاتف بهدوء وأخذت أتجه بخطواتي الثقيلة نحو غرفة الجلوس، وأنا أحدث نفسي عمَّ فعلت؟ كيف وصلت إلى هذا الجشع لأنتزع حياة صديقي منه؟ كيف نمت تلك الليالي وأنا أرى موته في كل مرّة؟ لمَّ لازلتُ حياًّ حتى الآن وأنا لا أستحقُ الحياة؟ .

اقتربتُ من النافذة وفتحتها على مصراعيها وتأملت المنظر قبل أنّ أودّع هذه الحياة، هذه هي النهاية.


طرفة عبدالرحمن

24 عرض