top of page
شعار مداد.png

من أنا؟!

ملأ جيوبه من خِضاب الحياة ثُم هرب من المنطقية والاحتمالات المدروسة؛ عُمري، يستمعِ إلى الأقدار المرصوفة بعناية تتحدث من فم الجهل بعشوائية وسخط، أسفل الجيوب والجلود طِفلٌ صغيرٌ يجوبُ أرجاء صدري في جوعٍ يبحث عن جواب سؤاله "من أنا؟" قد رسموا صورتي على الجدار باللونِ الأبيض استفهامٌ يخرٌ على رأسي كما الجدران، تتسلقُ عيني نحو السماء، نجمٌ أحصى أيامي دونما عناء، أُتراه يُبصِر غير ما يسكبه عليّ الضوء ويُجيب الطفل: من أنا؟


فصولي خريفٌ زاهٍ، تجرَد من كل سُبل الحياةِ، وطفق يخصف على فراغهِ من كلماتٍ مُرنَمة، ضحكاتٍ صادحة، وبعض الدموع من مأساةٍ لا تخصه، جلدي خريفٌ صامت لا أوراق ولا سقوط، ساقٌ هرمت في شموخٍ تتقمص فيه دور جَبل، أيعبُر الوقت وتُحلق أغصاني خلف طيورٍ سكنتها، أم تلحق بالأوراق نحو الأرض كما اعتادت كل الأشياء إذا حل الفناء؟ إن كل هطل ونبات، وكل شيءٍ مشى على هذه الأرض أو من صنع السماوات عاد إلى الأرض.. أهي سُنة الحياة؟ أم أن الأرض أنانيةٌ تحب الاستحواذ على كل الأشياء؟


هل نسيّت الأرض خبر موتي؟ أم أن استعارتي لذاكرة الحياة أوهمها حياتي؟ أنا الموت في جسد حي فمن صدَق مسرحيّتي؟ أكُنت بهذه البراعة في موتي؟ ما بينَ الوالدين أنا الأخ الأكبر، وما بين الضاحكين أنا المُغفل، وفي سطورِ الباكين أنا المُتبلد، وفي غرفتي أنا الجدار الخامس.. فهل حاولت رؤيتي؟ دعني أمثل ربما أنا مُمثل.


للجهلِ لذة الأمن، ولعلّي دفنت نفسي داخل هذا الجهل وظن أحدهم أنني أخفي قصةً فيما أنا الضائِعُ، كوكبٌ يبحثُ عن نفسه في كلِ إيماءة وكل التفاته وكل تنهيدة، وفي الأعينِ الشاردة والألسن الحادة، ملامحي مفقودة أتلمسُها في وجوهِ المارة والمحطاتِ الباردة وفي وجه الشمس الحارقة، أينَ ضِعت مني؟


دربٌ يتيم النهاية، مُمهد بالصمت، في جوفي قلبٌ كظيم.. أنا داخل إطار ملونٌ يحسبني من ينظر إليه أنني لوحةٌ سعيدة، رُبما إذا هربت اللوحة من الإطار ستكون نفسها.. أنا خارج الحدود أعرفني، فيما يسعى الآخرون لتنميطي، أنا شمسٌ لا تخاف الشروق لكن هناك من يسعى لغروبها بين الأصفاد، أنا ذكرى مُسطرةٌ في الفؤاد يحذو الآخرون نسياني.. لكن النهاية هي بداية المقطع.


خلف الباب إعصار؛ لا تطرقه، جوفي فارغٌ لا تطرقه.. أخشى أن تسمع أنينَ الخواء، أن تتسرب الدموع من صمتها، وأن تهرب ضحكاتٌ خبأتها على مدى الأيام، لا تطرق ففؤادي موحِش أرعن، أسافِر به ليحميني من قُطاع السعادة وناهبيّ الأحلام، أسافر به ليُهاجم كل من ينوي إيذائي لكنني منذ مُدة رحلتي مُعطلة ووجهتي نفسها ومحطتي اليتيمة وطني، وذلك الوحش الأرعن يلتهمني.. الطفل في جوفي يخاف المكان، يود لو يخرج، يحظى بحياةٍ يجد بها أحلامه على مقاسه، يخطئ دون مُحاكمة ويبكي دون أحكام، يصعد السلالم وهو يعلم أن يد المساعدة ستلتقطه إذا ما تعثر.. الطفل في داخلي يود الخروج لكنه يخشى أن يعيش حياتي.


شمسُ منتصفِ الليّل



٢٣ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل

مشاعر

Comentarios


bottom of page