شعار مداد.png

همهمة تغني بلحن مليء بالحب



شدت شالها المصنوع من فرو الثعالب، وهي تضم الشكولاتة الساخنة بيديها. تراقب من نافذتها أوراق الأشجار وهي تتساقط. تساقطها ذكَّرها بكل ذكرياتها التي فُقدت أو على وشك أن تفقد. طُرق الباب، أيقظها من أفكارها المشتتة. دخلت الممرضة وهي تجر عربة..

- إنه لشرف أن أقوم برعايتك سيدتي.

ابتسمت بلطف وقالت

- سيقطعونهما !!

شلّت للحظات ثم قالت:

- كي تعيشي. لست أسوأ الحالات هنا، كوني مطمئنة.

- وما معنى العيش دون أن تملكي ما يخصك؟ أن يسرق المرض آخر ما تبقى لك من نفسك.

- أنا آسفة لذلك

- وقتها بالضبط؟

- 3 عصرا

أشارت الممرضة إلى الشوكولاتة

- يفترض بك ألا تشربي هذا

ضحكت بسخرية

- هل عدم شربه سيسرق لي ساعة أخرى لأعيشها؟

- على الأقل لن تتألمي

- و لكن ستكون روحي حرة هذه المرة للأبد.

- وهل كانت روحك حرة من قبل؟

قالت بحب

- نعم حينما أرقص وأنسجم مع النغم.

- هكذا أنتم الفنانون، مليئون بكل هذا

صمتت

- الهراء كما تقول أمي

ضحكت

- كنت سأقول مشاعر

- لا بأس أنا معتادة على مثل هذا الكلام، ليس بالجديد.

- يبدو أنك تستمتعين بالمنظر

- ليس أفضل ما شاهدته بحياتي، لكني أريد أن أرى أكثر.

- من ماذا؟

- هذه الشجرة التي اختفت ملامحها

- سيقتلعونها قريبا

همست

- كما سيقتلعون قدمي

- ماذا قلت؟

- لا شيء، حديث نفس لا اكثر

أخرجت دفترا ملونا وقلما

- هل يمكنك؟

- بالطبع

- ستكون ابنتي ممتنة لها. أعتذر منك، لن أكون هنا حينما تقومين بالعملية. ستبدأ إجازتي السنوية في الغد، لذا سأستقل القطار للعودة لقريتي.

- لا بأس، أتمنى أن يُسعد هذا ابنتك، وتصلي بالسلامة، ومفعول الهدايا لا يدوم كثيرا، اشتريت أحلامي مقابل ترك طفلتي في منزل والدي، والآن أنا مهملة من قبلها، وأحلامي على وشك أن تبتر، وأتحول إلى أشلاء من الخيبات.

حدقت في السماء لبرهة

- أشكرك، سنراقب تساقط الثلج معا، وسأرى ما يمكنني فعله.

في بداية عصر ذلك اليوم، كانت قطرات الدماء تغطي درجات السلالم، لهثت بشدة بعد وصولها للسطح، وسقطت على الأرض. ربتت على ساقيها وحدثتها كطفل صغير

- للمرة الأخيرة أنصفيني، سنوات من التدريب الشاق ولكن، إما الآن أو .....


لسعتها رقاقة ثلج تدحرجت داخل ثوبها. ابتسمت وهي ترى تلك العملاقة بكل تألقها شامخة من سطح المبنى. نسمة هواء عصفت بأغصانها المتراقصة كلحن عتيق حزين. رمت شالها الصوفي وحذائها، بينما رقاقات الثلج تداعب الأرض. مدت كلا من يديها وساقيها وقفزت لتعانق السماء مرة أخيرة، وأخذت ترقص وترقص، وقدماها الداميتان تلون بياض الثلج، ثم وقعت للمرة الأخيرة، ضحكت ضحكة مجلجلة ورأسها يغرق بين أحضان الثلج.

صرخ أحدهم:

- إنها هنا. بسرعة ليحضر أحدكم الطبيب، وليساعدني الآخر بحملها.

علقت الممرضة معطفها، ووضعت الأكياس المحملة بالهدايا على الأرض بينما ركضت الصغيرة لضمها

- اشتقت إليك كثيرا

- أحضرت لك الكثير من الهدايا

بدلت ملابسها، اقتربت الفتاة وهي تقدم كوب شوكولاتة ساخنة لوالدتها، تساءلت عن أحوال مريضتها وهي تدير زر المذياع محاولة الهرب من التشويش والوصول الى القناة المطلوبة.

و للأسف في هذا المساء اقتلعت من أرضنا إحدى أهم ركائز الفن، عزائي لي ولكم مستمعينا. والآن نواصل معكم الخبر بتفاصيله بعد الإعلانات.

بمجرد أن اقترب المشروب من شفتيها سقط الكوب من يديها وتحول إلى أشلاء.


لطيفة الخريحي


19 عرض