شعار مداد.png

هندسة الحياة

هندسة الحياة


إليها في اللحظة التي تشعر فيها أن الحياة بلا طعم ولا معنى:


هل تبحثين عن معنى الحياة في الأصوات الصاخبة، والشوارع المكتظة، ويوميات العمل، والالتزامات الاجتماعية،

وإزعاج الرسائل، ومواعيد تسليم نصوصك التي تأتي أسرع من وقت كتابتك للنصوص نفسها؟ هل تبحثين عنها في خضمّ رحلة تحقيق قائمة الأمنيات التي تصبح نفسها مع مرور الوقت عبئا يُثقلك عن النهوض لمواجهة الحياة كل يوم؟


إليكِ حين تختلّ موازينك، من فرط ما بلغ بك الاكتئاب، والغرق في اللا جدوى مبلغًا لا تفرّقين به بين ما ينبغي أن تفعليه؛ لتصلي إلى مبتغاكِ، وبين ما تحبين أن تفعليه؛ ليمنحك الوقود في طريقك إلى ما تبتغين تحقيقه في حياتك،

هل تظنين أن هذه الحياة التي تصمّ أُذنيك من ارتفاع صوتها، والتي يستحضرها الآخرون كلما همّوا يقيّمونك، أو يحادثونك.. هي أنتِ؟


ألم تتفكّري في إجحاف هذا الاختزال.. أنك أعمق بكثير من أن تكوني بهذه السطحية، التي تُلبسك إياها القوالب المُعدّة مُسبقا؟

قد تنهككِ الضغوطات فلا تعودين تلك التي تتزيّا صفة الكمال وتستندها من تميزها في مجال عملها، أو دراستها، أو حتى في دورها في أسرتها، وقوتها! فهل تفقدين كينونتكِ المقدّسة لأنك بكل ما فيكِ من بشريّة الطين مررتِ بلحظة ضعف تمرّ بغيرك من البشر؟


أين يكمن معنى الحياة من خريطة طريقك؟! إن أنتِ طمستِ كل جماليات ذاتك والعالم من حولك، تلك الجماليات التي لا يمكن أن تتصل بجهة الوصول بل تكمن في جنبات الطريق، تلك الأشياء التي لا تعترف بها جهة التوظيف، ولا مجتمعك، ولا يمكن أن تكون من مؤهلاتك التي تمنحكِ قيمة عند أحد، ولكنها هي التي تمنحك البريق والتألق الذي يمنحك تفرّدك وبصمتك المختلفة بين كل هذا الجمع من الناس.


أنا بكل ما أملكه من تعاطف؛ أتفهّم ازدحام روحك بكل هذه الأفكار التي تُشَيّءُ البشر، تجعلهم أقرب للآلات، لكن هذه الأفكار لن تمنحكِ يومًا دافعًا واحدًا يساعدك على تخطي الصعوبات بروح ملتئمة، ومتشافية من صُدوع السّير.

لن تمنحك سببًا واحدًا يجعلك تحبّين الحياة في اللحظة التي تمرّين فيها بإحباط وخيبات تجعلك كمن لا يقترب إلا من وهم السراب، فتبدو أهدافك أبعد من أن تتحقق، وتبدين أقل قدرة على مواصلة السير بنفس السرعة والثبات.


وإن كنتِ ستنصتين لصوتي؛ فإني متأكدة أنكِ بحاجة للخروج من سجن هذه الأفكار. أدرك أننا جميعًا سجناء بطريقة ما؛ لكن أحسننا حالًا من يعيش بحريّة وانطلاق في المساحة التي يمكنه أن يتحرك فيها؛ مهما بدت محدودة.


لستِ تلك الروح التي يمكن أن تُختزل في معلوماتها المعلنة في أعين مجتمعها؛ أنتِ روح تُحلّق في فضاء الأسرار، لتخلق لحياتها معانيَ لا يعرفها سواها، تجعلها تبتسم في خضمّ تلاطم الأمواج واكفهرار السماء، فتُشرق بثقتها بقدرتها على الاستمرار في السعي.


هذه الدوافع منتثرة فيما تفعلينه حينما تكونين لوحدك دون مبالغة في تقمّص ذات أخرى؛ لنيل إعجاب الآخرين.

هي في ذاتك الإنسانية البسيطة جدًّا، التي تجد السرور في تأمل مشهد بديع من مشاهد الطبيعة، وتتسلّل إليها الابتسامة لرؤية مجموعة من الناس يبتسمون.


تشعر بمعنى الحياة إن هي ساعدت من يحتاجها، وتتخلّص من أعباء يومها بالاسترخاء، أو القراءة، أو المشي دون غاية محددة، تجدّد مزاجها بكوب شاي أو قهوة، وتُقبل على الحياة بكلمة حُلوة سمعتها من شخص عزيز، تتذوّق الحياة في تفاصيلها السرّية، نعم تعيش حياة موازية؛ لكنها توقن في قرارتها أنها هي الحياة وأن تلك الحياة المُعلنة على الملأ مجرّد قشور لا يمكن أن تختزل عالمها الفسيح الذي تجد فيه معناها، وقدسيّة كينونتها، وسلواها، وتنطلق من خلاله بحيويّة نحو غاياتها الأسمى في الحياة؛ وهي تدرك أن في عَمارة الروح؛ انتفاءً للوَحشة، التي إن انتفت تألّفتكِ الدروب، فمنحتك أسرارها، فبلغتِ غاياتك بروح نَضِرة، لا يسكنها وهن، ولا يمسّها ذبول.


دلال آل مبارك



8 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل