شعار مداد.png

هي الأساس

لطالما وجدت المنطق هو العالم، الخضرة و الحركة والرغبة والرؤية وحتى الحب، كل شيء يبدو منطقياً أنا اكتسبت خبرة حياة 45 سنة، و ما رأيته جلياً ولم يرَه غيري هو نمط ورتم الحياة، الحياة تمشي وفق قوانين، وكل ما فيها حتى الذي يبدو ظاهره حسّي، هو نتيجة منطق. وجدت كل شيء مكشوفاً، فاقد للدهشة واللذة. نسمة الهواء التي يطرب بها الجمع، ويكتب عنها ببديع الوصف الشعراء، وتثير أحلام "العشّاق"، هي في الواقع في نظري مركب كيميائي أساسي العيش، لا يحمل أية معانٍ أخرى، و تمر فوق جلدي-حتى أنها لا تمر بل تصدم بجلدي الذي هو بدوره شيء من كل مركب في الكون، حتى الهواء- ولا آبه به أو أطرب. و لكني بعدها عجزت يوماً عن تفسير نظرة العين، لمَ تلمس بل و تسحب أفكار الناس دون لغة؟ حاولت أن أفسرها بأنها نظرة معتادة بين كل البشر، الكل ينظر بنفس الطريقة ولنفس الهدف، وأن العين جزء عادي من أجزاء الجسم دوره فقط مساعدة الانسان على العيش لفترة أطول حتى الأجل المحتوم في الوقت المحتوم. ولكني لم أستقر بهذا التفسير، لا زالت التساؤلات تتمدد في رأسي، هل يا ترى نظرة العين هي الروح؟ ألم نقُل سابقاً أن الروح رمز تعبيري فقط؟ هل النظرة شيء خاضع كباقي كل الإنسان للظروف؟ تتأثر بالفقر عنه بالغنى؟ ترتقي بالعلم وتتردى بالجهل؟ كل أسئلتي هذه غاب عني جوابها، بل فاجأتني بالنهاية بسؤال أكبر؛ لم تتولد برأسي هذه الأسئلة الآن؟ أيني عنها من السابق؟ و هل يعقل أن غابت عني قبل أن أحسم أمري تجاه الحياة وأعيش باقيها الذي فات بهدوء تام؟ هذه ليست أول مره أرى فيها نظرة مخلوق، ولكنها المرة الأولى التي أتساءل بها عن مغزاها. هل هذا سحر العين الذي تغزل به الشعراء كل هذه السنون؟ الشعراء كهنة عاطفيون أساساً ولا يعوّل أبداً على منطقهم، ولكني أعود لأتساءل ما الذي جذب هؤلاء الكهنة العاطفيين للتغني بالعيون وتجاهل بقية أشكال الحياة؟ لا أعلم كيف فاتني هذا السؤال، ما أعلمه الآن أني دخلت دوامة جديدة من الأسئلة، غريب فعلا؛ ولكني أتمنى أن أستقر بعدها كما استقريت سابقاً. أعود لأرى عيناها، رغبة بمعرفة جواب السؤال الأخير الذي فاتني جوابه، وحقيقة أنها فتاة عادية جداً ومن طبقة دنيا و ثقافة رعاع ستجعلني أجرأ في استخدامها كآداة لمعرفة نتيجة تجربة علمية مفيدة بعض الشيء. دعوتها وأهلها البسطاء لمأدبة عشاء حتى أقوم بتحليلي اللازم، وبالطبع أنا من سأدعوها لمنزلي لأني أشك بمدى ذوقية الذهاب لمنزلهم الذي يقطع في وحل المزارع ورائحة الدواجن تعطر أرجاءه. كانت جميلة، حسناً، كانت جميلة بحدود تجمل الفتيات البسيطات، ثوب بقماش رث؛ و لكني أعلم أنه أحسن ما لديها من رداء. شعر حتى مع التسريح لا زال أشعث، و على جلدها جفاف شقاء المزارعين و الذي زاد من احمرار وجنتها، عينيها ... لا أعلم. ضجّت الموسيقا والأفواه والكؤوس طوال تلك المأدبة، ولكني لم أسمع أي منها، أول مرة في حياتي أقف باهتاً أمام معضلة كتلك العينين ولم أجد حلا لها حتى مع انقضاء الوقت المقرر لانهاء التجربة؛ وهو نهاية المأدبة. بدأ جسمي ليوم بعدها يرتعش عند أي حدث روتيني، وكأن الخوف يحاصرني. الخوف الذي وصفته فعلا هرمونيا، أعيشه اليوم من بعد سنين طوال و أصفه وصفاً شاعرياً ب"يحاصرني". زادني هذا خوفا. لم أحتمل كل هذا الضغط و انفلات الخيوط مني، اضطررت متنازلا بعدها بيوم للذهاب إلى منزلها، لعل اختلاسي لوقتٍ إضافي سيوصلني للإجابة. و لكن..وقفت أمام المعضلة من جديد، و زادت المعضلة تعقيداً عند "شعوري" بحرارة في جسمي و تيه في فكري ولبكة تسيطر علي-مع أن كل من حولي في قمة الارتياح.. حتى هي-. بعد أن خرجت من منزلها، كانت الاسئلة تفيض من رأسي، و أولها لمَ هذه المرة أحسست بالمشاعر كمشاعر، و لم أحس بها كطبيعة جسدية بشرية عادية؟ لم صرت أظن بأني حالة خاصة، و أعيش شيء لم يعشه مخلوق من قبلي و لن يتذوقه أحد من بعدي، و أني (مصطفى) ؟ لا أجد منطقاً بأي من هذا.. اخترت تغيير البقعة الجغرافية لأبتعد عن كل هذه الضوضاء القروية التي ستفقدني صوابي، لأذهب لقوانين المدينة و ألاقي صوابي مجدداً هناك. و لكن لم يُجدِ ذلك أيضاً . بل أن حرارة "المشاعر" صارت تربكني أكثر. الأسئلة مستمرة بالتوالد، و "الشعور" يهيج بي و لم أعد قادراً على السيطرة، و لم أعد أنا كما أنا! لا أعلم ما الذي قادني ذات صباح لبابها، حقاً لا أتذكر الوقت الذي قضيته بالطريق المؤدي لدارها ولا الوقت الذي اتخذت به قرار الذهاب أصلا، الآن أتذكره و أفسره بأنه لحظة انفجار (المشاعر) بعد كل تلك السنين. نعم الآن عُدت لرفاهية التفسير.. و لكن ليس بمنطق كسابقه. ذلك أني وجدت نفسي لحظتها باهتاً أمام عينيها، أشكو بلغة ركيكة أني لم أعد بخير بعد أن لقيتها، و أن حرارة الدنيا اشتعلت علي و أحرقتني بعد أن مستني نظرة عينيها الحامية، و أني *أحبك* . تلك الكلمة التي عندما نطقتها استيقظت، ليعود لي إدراك المكان و الزمان، و إدراك نفسي.

بانت لي الدنيا عندها أنها (حياة)، و بان لي اللون وقتها أنه (تعبير)، و الرائحة (ذكرى)، و الحب (منطق). الحب منطق، هذه هي أخيراً نتيجة تلك التجربة، التي بدأت بمنطق ساذج، و انتهت بمنطق حقيقي مطلق الحقيقة؛ الحب. صارت الهرمونات (وسيلة) لبلوغ الحب و الشعور و الذي هو الأساس، و القلب (وسيلة) لوجود الروح و التي هي الأساس، و الطبيعة شكل يعلمنا كيفية التنعم بالنعيم والذي هو الأساس، و عينيها.. وسيلة التعبير عن هويتها، والتي هي الأساس، هي الأساس، هي الأساس.

رغد النغيمشي


9 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل