شعار مداد.png

وردَة الجوري الحمراء

تم التحديث: منذ 6 أيام

"أُدعى جوريّة، اسم مستعار قمتُ بسرقته من مالكه، وأُقيم في مدينة (المكان الآمن)".


ابتدأت القصّة في مدينة أُشيع عنها المثاليّة في وقتٍ كان المنصب والمال هو الحاكم في جميع المدن، أميرها أُعجوبة يحكي بها أفرادُ شعبه، صدّقهم من وصل إلى مسامعهم الأقاويل، فقد رأوا الأسوار الشاهقة والضجّة التي أحيت مدينة كانت يومًا مكبًّا لأسوأ البشر.

زادَ الحديث عنها حتّى أصبحت الشغل الشاغل للصحافة، عناوين عريضة تحملُ اسمها الحديث وفي نهاية علامة السؤال حول سرّ ازدهارها فجأة، تساؤلّا بدأ بالانتشار ووصل إلى رئيس التحرير، ليقوم بطلبِ صحفيّةً تكره العودة بكلمات فارغة، لا تُدوّنُ في صحيفتها سوى الحقائق، وإن استدعى استخدام طرقا غير مشروعة، ستفعل بكلّ سرور.


سبقته بذكرِ الشائعة المنتشرة : (المكان الآمن)، تريدُ منّي زيارتها لنزع الحقيقة من بطنِ رعاياه!! . هزّ رأسه بفخرِ اختياره للسفّاح المناسب لقتلِ أُعجوبةِ الأمير ومدينته الفاضلة، نهضت من مكانها مغادرة بعدما نطقت: تأكّد، كلماتي ستُسقطها .


انطلقت الصحفيّة بثقة إلى المدينة المسوّرة، لتُقدّم بطاقة الإذن بالدخول كصحفيّة، خُتم عليها بالورد الجوريّ الأحمر، استغربت شعار المدينة الغريب، التقطت صورةً فورية لها ثمّ حفظتها في حقيبتها مع الصورة، وانطلقت على ممرّ ورديّ خُصّص للزوّار كما ذكر رجُليّ الأمن عند بوابة المدينة.


ضرب بها طفلٌ قاطعًا الطريق، أوقفها عجوزًا طاعنًا في السنّ ليسأل عن زوجته الميّتة، فوضّحت حفيدته سوء الفهم، ولم تخطو خطوة أخرى حتى عرض عليها فتًى وردة جوري حمراء، هديّة للزائر فقبلتها بمضض، لينتهي في يدها ثلاثًا من ورود الجوري بذات اللون، تساءلت بشكّ: ما سر الجوري!! هل هي مقدّسة ليقدموها كاعتذار وهديّة؟


وصلت الفندق وبعد دقائق من استرخائها في غرفتها الفاخرة، غادرت إلى صاحبه بنيران غضبٍ أنذرت من يراها بعدم الاقتراب، اقتحمت مكتبه فاستقبلها بهدوء مبدّدًا صدمته بوقاحتها سريعًا، ليتساءل عن سبب زيارتها المُباركة: ما الذي دفع بالأميرة للحضور إلى بيتي المتواضع؟


صرخت بهمّها ضاربةً الطاولة بقبضتها : جميع أغراضي سُرقت!! كيف تسمح بحدوث شيء كهذا في فندقك؟.


طلب منها الجلوس بهدوء لكنّها رفضت، لذا بدأ حديثه ساخرًا بإشفاقه : لم أكن السارق، من أعطاك الورد الجوري، هو سارقك عزيزتي.


صُعقت من خَبره وبلا وعي سألت : ماذا تقصد؟.

-هل بإمكانك الجلوس كي لا تضرري عند سماع ما سأقول .


جلست بالفعل، ليس إطاعة لأمره، لكن قدماه لم تعد تقوى على حملها، وصور أولئك الثلاثة تُعرض من ذاكرتها، أخرجها من قاع الذاكرة كلام صاحب الفندق، والذي حمل في حروفه جبالًا تخور أمامها العقول.


-دعيني أعرف عن نفسي أولًا، أنا جوريّ المختصّ بأعمال السرقة الخاصة بالزوّار، فندقي عبارة عن أشواك جوريّة تمتصّ دمك بلا توقّف، ولا تشعرين بالجرح إلا بعد حين.

- إذًا تعترف بسرقتك؟.

-أجل، ليس جميعها، هناك متطفلين كالعجوز وحفيدته، لكن البقيّة هما تابعيّ، سيأتي يوم وينفصلون عنّي، وقد يضاهونني ذكاءً، قد يستولون على الفندق، كما فعلتُ أنا مع معلّمي، المالك السابق.


- لم يتغير شيء، لازالت المدينة قذرة كالسابق، لماذا يذاع عنها المثاليّة؟

-لأنّ أميرنا فكّر بعقله وأطفأ قلبه، تركنا بحريّة نكسبُ مالنا بالطرق المتاحة، قدّم لنا فرصة السطو على أموال الكِبار، في يومٍ وليلة قد تُنتقل من قصرٍ فاخر إلى شقّة رخيصة.

- ما فهمته، جميعكم يعلمُ بسرقة الآخر!! أنتَ تعرف سارقك فكيف تغفر له فعلته، جعلك تبدو غبيًّا بفعلته!!


أراح ظهره على المقعد، ليعطيها إجابته: كما قُلتِ، أنت الغبيّ، لذا عليك التفكير في المرة السابقة بطرق أسوء للكسب من جديد، بإمكانك الانتقام باسترداد مالك منه بوضع خطط أسوأ.

التقط من جرّار مكتبه وردة جوري، قدّمها للصحفيّة وأكمل: إن لم تحب لن تكره، إن لم تثق لن تُخان، إن عطّلت القلب فلن تُعاني. أمسكت الجوريّة منصتةً لحديثه: إن قدّمت الجوري الحمراء، ستحصل على الورقة الخضراء(المال)، هذا هو المكان الآمن.


استلمتْ جوريّتها وغادرت بصمت، حقدها على صاحب الفندق لم يذب، بل كوّن في رأسها فكرةً، جعلتها من مقيمي المدينة، وباسم جوريّة استولت على فندقه، سلّمته لأحد أتباعه وغادرت أسوار (المكان الآمن).


"إنها جوريّة، صحفيّة دخلت مقتنعةً بأن للمشاعر تقديس، خرجت ملوّثة العقل، قدّمت استقالتها من صحيفة (الحقيقة)، وعادت إلى الأسوار، حيثُ المكان الآمن.


هذه الجوريّة أنا، امتهنتُ المصلحة الذاتية، ولم تُفصح بكلماتٍ عن سرّ المدينة".


ميمونة قاسم





10 عرض