شعار مداد.png

يجهدها ابتلاع الكلمات، فلا تتوقف عن الحديث..

لم يكن الصمت رفيقها المفضل، بل كان عدوها اللدود.. لم يأتها يومًا على هيئة السكينة والهدوء التي كان يتحدث عنها الجميع.. تتوق إلى إدراك الصمت بهذا المعنى الجميل المفعم بالإيجابية.. كانت تصمت فتغرق بالآخرين إلى أن يخيل لها أحيانًا بأنها أدركت أرواحهم.

"بؤس، حزن، ضياع" كانت كلمات تتكرر باستمرار عند تأملها الآخرين، مما دعاها للقول يومًا بثقة عالية "البشر جميعهم حزينون" وبررت موقفها بلحظات تأملها بهم وما إن انتصفت بالحديث حتى أدركت بأنها لم تكن ترى أرواحهم بل انعكاس روحها عليهم.. فمن كان يغطي عينيه بيديه لربما كان يحاول التخفيف من حدة الشمس، وليس مثلها لإخفاء دموع الحزن.. ومن كان يمشي مطأطأ رأسه لربما كان يحاول اتباع مسار النمل، وليس لشعوره بالانهزام مثلما تفعل...

كان الأمر أشبه بالصاعقة لم تدرك بأنها كانت تفسر تصرفات الجميع على أنهم "هي" فتوقفت عن الصمت والتأمل، وبدأت بممارسة الثرثرة.. ولكن أوقاتًا كثيرة تتملكها رغبة عارمة للتأمل لإسقاط روحها على الجميع ما عداها.. ولكن ما هي إلا ثوانٍ وتتلاشى تلك الرغبة.

لطالما حاول الصمت التسلل إليها، ولم ينجح بالتسلل سوى أمام البحر، فعقدت هدنة مع الصمت، أأنتهت المعركة؟ لا ليس بعد.

كان البحر ساحرا ومفعما بالحياة على عكسها، تتأمل بصمت.. لا يقلقها الصمت ولا الحديث.. شعرت لوهلة بانتماء شديد لهذا البحر العظيم، فالأمواج تشبهها، ما إن تتخذ شكلا حتى تتشكل بشكل آخر.. لا وجود للاستقرار.

اقتربت من البحر، وما إن لامست أقدامها مياه البحر حتى صعقتها برودتها، ولم تكن سوى ثوانٍ حتى شعرت بأن مياه البحر لم تعد باردة، فتساءلت: هل تساوت درجة حرارتها مع البحر، أم العكس، البحر من تساوت درجة حرارته معها؟ ولم تهتم بشدة إلى الفرق بينها، فكلا الأمرين كان يدلانها بأنهما شيءٌ واحد.

واصلت السير في البحر أو إليها.. حتى غطت المياه ركبتيها، ولم تأبه بذلك وواصلت السير.. إلا أن اختفت ولم يعد لها أثر، كقطعة ثلج ذابت في الماء وعادت إلى سابق عهدها ماءً.


رهف



10 عرض