شعار مداد.png

يوميات قط

اليوم الحادي عشر من سبتمبر، أول صفحة من يومياتي العزيزة، مرّت عشرة أعوام على وجودي في هذا البلد الصحراوي تحديدًا مدينة الرياض، لقد تم جلبي من بريطانيا عندما مضت ستون يوم من ولادتي، خصيصًا لامرأة كانت في الخمسينات من عمرها، اعتقدت بالبداية بأن فرانسيس سيأخذني للعيادة، لم أودع إخوتي أو أمي، لا أذكر عنهم أي شيء سوى موائهم المتواصل حينما أخذني فرانسيس، كانت تجربة رائعة التحليق بالطائرة رغم أني في حينها كنت أرتعد من الخوف، أما الآن فأعلم بأني من قلائل القطط الذين سافروا بالطيران الدولي، وأمتلك جوازًا بريطانيًا وأصبحت الآن أمتلك آخراً سعوديا.


فلنعد إلى تلك السيدة التي كانت ترغب فيّ خصيصًا فقد سمعتها تتحدث لصديقاتها بأنها اختارتني من بين كل أخوتي، كانت تريهم صورة لي مع إخوتي، شعرت بشعور غريب ذهبت بسرعة لأحاول أن أتسلق الأريكة لأراهم ليأتي صوتٌ غاضب يردد "مسعود مسعود!!" التفت لأرى السيدة تراني بغضب يبدو أنها تنهاني عن التسلق، لحظة! مسعود؟ هل هذا اسمي أم أن لهذا معنًى مختلف؟ لا لا بالتأكيد إنه يرمز للتوقف أذكر بأني استغرقت النظر لجواز سفري وكان اسمي فالو كما كان فرانسيس يناديني، كانت السيدة لطيفة جدًا تعطيني الطعام وتجعلني أنام فوق أرجلها وأحيانًا بجوارها في السرير، لم يكن في المنزل سوانا، كان هناك أحيان تأتي فيه ابنتها ومعها أطفالها لتبدأ لعبة المطاردة الشرسة، رغم كل هذا أنا دائمًا من أعاقب وأتلقى التوبيخ، لم أفعل شيئًا سوى أني عضضت يد حفيدها كما كنت أفعل مع إخوتي! هكذا اللعب! وأيضًا لماذا لا يوبخه أحد على سحبه لذيلي وعضه لأذني؟ أم أن القوانين وضعت للقطط؟


كانت شبيهة لوالدتي، فما أن تغضب مني أو تصرخ تأتي لتمسح على رأسي وتقبل جبيني، لدي قلب كبير فأسامحها فورًا لنبدأ بالسير معًا في أرجاء المنزل، أراقبها حينما تطبخ لا أستطيع مقاومة وجود رائحة الدجاج دون أكله، أمد يدي الصغيرة لعلي أسرق شيئًا من الدجاج دون أن تلحظ، تلتفت مسرعة لترى يدي تقترب من قطعة الدجاج وأنا واقف عن الحركة لعلها تبعد عينيها أو لا تلحظ يدي، تضحك وتأخذ قطعة صغيرة وتضعها بالقرب مني، كنت دائمًا ما آكل بجوارها ونحن نشاهد التلفاز، كثيرًا ما أشاهد قططًا شاركت في التمثيل وأعتقد بأن أحد أحلامي بأن أصبح ممثلًا! بدأت أكبر أسرع بكثير من أحفادها فلم أعد ألعب معهم وبدأت أجلس فوق الأريكة لأستمع لقصص الكبار فعمري أصبح يقارب الثلاثة أعوام، يا للبشر لديهم اهتمامات أكبر من الأكل والشرب والنوم، صحيح بأني أهتم بكل ما يقولون ولكن كيف لتلك الفتاة أن تقرر مقاطعة الطعام!! والأخرى ترغب بأن تكون نباتية! أليس الدجاج ألذ طعام ما هذا العذاب الذي يفعلونه البشر لأنفسهم، لا أخفي بأني في أحيان أشعر بأني أكبر عقلٍ منهم، وأحيانٍ أخرى أصدق بأني بشر مثلهم حتى أني أرغب بالسير على قدمين، لم يتوقف على ذلك لقد قررت أن أشرب قليلا من القهوة التي كانت السيدة تنهاني عنها دائما، ولقد عرفت لماذا كانت تفعل ذلك ففجأة هويت على الأرض وأشعر بأنفاسي تنقطع سمعت صراخًا ثم غبت عن الوعي.


فتحت عيني لأرى عينيها مليئة بالدموع "مسعود خلك معي" يا إلهي إذن اسمي حقًا مسعود، وما هذه الرائحة المزعجة، أحرك رأسي لأرى أولئك الذين يدعون بالأطباء، أرتعب خوفًا وأحاول الهرب فأذكر بأني شاهدت فلما لطبيب قرر أن يقتل مرضاه، تمسك السيدة بيدي لتهدئتي ولا أعلم كيف شعرت بذلك الأمان، تم إنقاذي والشكر لله فلم أكن مستعد لألقى حتفي وأنا لم أبلغ الخمس سنوات بعد.

مرت سبع سنوات وأصبحت حالة السيدة تسوء يومًا بعد يوم، كنت أشعر بألمها وأتمنى لو استطعت فعل شيء غير الاستلقاء بجانبها، كنت أحيانا أحاول أن أمسح تلك الدموع عن خدها ولكني أعلم بأنها لا تفيد، أتت ابنتها للعناية بها وكانت ترغب بطردي من الغرفة لأنها -تشعر- بأني خطر على صحة والدتها، بقيت أياما أنام على عتبة بابها ما إن أسمع صوتها حتى أنادي بأعلى صوتي لعلي أصبح بقربها، كانت تطلب من ابنتها في كل مرة أن ترجعني للداخل.


مرت أشهر وهي على هذا الحال حتى نقلت إلى المستشفى أصبحت وحيدًا في المنزل، لا يوجد من يضع الطعام كل صباح أو يمسح يده على رأسي، أصبحت كبيرا أنا الآخر ولا أعلم إن كنت أستطيع أن أعيش لعام آخر ولا أظن بأني أرغب بالعيش وحدي، أيضا أعتقد بأن تلك السنوات من الطعام والشراب والاستلقاء بقرب التلفاز كانت نعيمًا كافيًا بالنسبة لقط.


شهد عبد العزيز



39 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل