top of page
شعار مداد.png

صمود

أثناء عملي كمتطوعة في دار المسنين في فترة دراستي الجامعية مررت بجميع أنواع كبار السن منهم العطوفة رقيقة القلب التي تحتفي بوجودي وتناديني يا ابنتي وتقبلني في كل فرصة سانحة لها، ومنهم من قست الظروف والزمان قلبها، مر عليّ من بدأت تصاب بالزهايمر وكنت أحفظ أحاديثها عن ظهر قلب ولكني أتظاهر بأني أسمعها تقولها لأول مرة.


ولكن جدة واحدة كانت تثير فضولي الجدة "صمود" لم تكن تتحدث كثيراً ووجهها كان مشرقاً وكأن أشعة الشمس تخرج منه لتضيء نوافذ الدار وزنها زائد بسبب قعودها الطويل على الكرسي المتحرك لأن فقرات ظهرها وركبتيها أصبحت تخذلها، ويديها دائماً مخضبة بالحناء ورائحتها العذبة الشبيهة ببستان من الأزهار تفوح في أرجاء الدار.


ما لفتني فيها أنها لم تكن تشتكي أبدًا ولم تكن تدعو على أولادها عند اجتماع النساء وتبادلهم الهموم والشكوى بل كانت تنظر إليهن بهدوء وتبتسم بحزن.


حتى عند إعطائها إبر السكري لم تكن تصدر أي صوت أو تتألم! وعندما أساعدها على دخول الحمام كانت تمطرني بسيلٍ من الدعوات مع ابتسامة عريضة وطبطبة خفيفة على كتفي ورأسي.


بعد فترة تعبت الخالة "صمود" واضطرت إدارة الدار أن تنقلها للمستشفى، فبدأت بحزم أمتعتها وتفريغ غرفتها المليئة بالطمأنينة والسكون، وعند تفريغي لأحد الدواليب وجدت صندوقًا قديماً جداً لونه أخضر ومزين بأفصاصٍ ذهبية، وعند رؤيتها له تغيرت ملامح وجهها وبدأت دموعها بالانهمار، تناولت الصندوق من يدي واحتضنته وانخرطت في بكاءٍ مرير، تجمد لساني ولم أستطع مواساتها فأنا أراها بهذا الضعف لأول مرة، احتضنتها وبدأت بالبكاء معها، كانت تلك وسيلتي الوحيدة لمواساتها.


هدأت قليلاً وفتحت الصندوق وأخرجت منه خاتماً ذهبياً متوجاً بحجر كريم أحمر وضعته في إصبعها وتأملته لمدة ثم قالت: هذا الخاتم كان لأختي الكبيرة ماتت أثناء إحضارها للماء بدلاً عني، لأن شوكة دخلت قدمي فتحججت بها ولم أذهب، وأعطاها عمي حماراً عنيداً لتضع القرب عليه، وأمرها أن تربط الحمار بحبلٍ وتربط الحبل حول خاصرتها لكيلا يهرب الحمار، ألم يرى نحالة جسدها الطاهر؟! ألم يفكر أنها لن تستطيع مقاومته إن جفل وهرب؟!، عند انتصافها جبل "البكاء" هذا ما أسماه به أهل قريتنا لأني كنت أذهب له كل يوم وأنتحب فيتردد صدى صوتي في القرية كلها، شيء ما أخاف الحمار فهرول نزولاً من الجبل وجرها معه ولم تستطع مقاومته فكسر عظامها وجمجتها حتى أرداها قتيلة، وما ختم موتتها الشنيعة أنها بقيت هناك ولم نعلم بها إلا عندما رأينا الجوارح تحوم حول جثتها.


تمنيت أن الشوكة دخلت قدمها وأني أنا مت بدلاً عنها.

ثم أخرجت شيئاً ما من الصندوق يشبه القماش المتفحم وقالت ما رأيك بهذا الثوب الجميل لقد خطته بنفسي لابني "صالح" أول أولادي، أشعل النار في نفسه ولم يبق منه إلا هذا الثوب، لقد تأخر صالح في الكلام تحدث إخوته الأصغر منه ولكنه لم يتحدث، ربما أراد الله له أن ينطق أول كلماته في الجنة.


لقد لمحت أشياءً كثيرة في الصندوق ولكنها تنهدت وأغلقته ولم تكمل حديثها، ثم وضعت كفها على خدي وأنشدت وعينها تغرورق بالدموع:


لا تَشْكُ للناس جُرْحَا أَنْتَ صَاحِبُه

لا يُؤْلِمُ الجَرْحُ إلا مَن بِهِ ألَم

شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يا ابنَ النَّاس منْقصَة

ومَن مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ


علياء العيسى




١٢٩ مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
bottom of page