شعار مداد.png

تيه

أفاق فتى بهدوء في عالم بدا له كحُلم، تنفس ملء رئتيه فشعر بثقل يحجب عنه الهواء. حاول أن يتذكر أين كان، ولِم هو هنا الآن؟ طارد الذكريات في رأسه، فطارت كطيور فزعة وغاب عنه ما كان حاضرًا في حياته، لا شيء سوى البياض. بريبة تفحص ما حوله، أرض صفراء ممتدة، تعلوها سماء ملونة وتمتزج في جَنباتِها الألوان بتداخل آسر. هبّت على مُروجِها الصفراء ريحٌ؛ فأثارت فيها ذرات لامعة.


-كيف يختلف واقعي عن هذا الحلم يا تُرى؟

انبثق في الأرجاء صوت ناي غير مألوف؛

فتبع الفتى الصوت باحثًا عن مصدره، خطا بضع خطوات ثم نزل عن التل.

-هل أجد أحدًا في هذا المكان؟

سار الفتى على مهل حتى رأى شيخًا مُسِنًّا أقصى المرج، يمشي بخفّة وهو يعزف الناي في كل الاتجاهات.

-ما الذي يفعله هذا المُسِن يا تُرى؟


راقب عزف المسن فلَفَتَه أنَّ للألحان أثرًا لامعًا منحَ الأشياء من حوله أشكالها وألوانها، اقترب الشيخ المُسن من النهر فأضفى عليه بعزفه لونه البرتقالي، وحفز جريانه وهديره.

-أكانت الأنهار برتقالية؟ تساءل الفتى.

استدار المُسِنّ نحو المرج الأصفر يعزف ألحانًا أنعشته وأضفت عليه الإشراق فتراقصَتْ بتلاته المُضلّعة يَمنة ويسرة. رفع المُسِن رأسه عاليًا نحو السماء وهي تزهو بملاءات ذات ألوان مموّجة. أخذ المُسِنّ يدور ويدور بنايِه حتى ارتفعت ألحانه إليها وعجّت الأجواء بغبار ملوّن. تساقطت من السماء خيوط رفيعة ملونة على حين غرة، فرأى الفتى المُسِنَّ وقد احتمى بشجرة صفراء تتوسط ذلك المرج باسقةً، تتدلى منها ثمارٌ ذهبية وتحفّها هالة من السِّحر، فهرول مسرعًا إليها.


-هل يُعقل أن يكون هذا مطرًا؟

وجه حديثه إلى المُسِن وهو يحاول إبعاد الخيوط المتشابكة عن جسده. تفرّس المُسن غربته في سحنته، وخاطبه: من تكون؟ وكيف أتيت؟ أجاب وهو يلحظ الخيوط تذوب من تحت قدميه:


-أفقت ووجدت نفسي في أعلى هذا التل، وأنا الآن أنتظر أن ينتهي هذا الحُلم.. لأعود إلى الواقع.

استدرك المُسِن متعجبًا: ولكنك استيقظت هنا، ألا يجعل ذلك مِن هذا العالَمِ الواقعَ الذي تبحث عنه؟

علَتْ أمارات الحيرة وجه الفتى. ثَنّى المُسن قائلًا: إذا كانت اليقظة هي ما يفرق بين الحلم والواقع، فلِمَ لا يجعل استيقاظك في هذا العالم منه واقعًا حقيقيًّا؟


حرستُ هذا المرج الأصفر مذ كنتُ شابًّا، أستيقظ في هذا العالم وأُسيِّره، أبث روح الحياة في كائناته، فهل تعتقد بعد ذلك أني لا أعيش في واقع؟ بقلق تساءل الفتى: ما هي حقيقة الواقع إذًا؟ ما الذي يجعل من عالم واقعًا ومن آخرَ حُلمًا؟ كيف أتأكد من حقيقة أي شيء؟ ما عسى حقيقة الواقع أن تكون؟


بضجر وبّخه المُسن: أنت تسأل أسئلة كثيرة يا فتى، إما أن تقضي وقتًا جميلًا في عالمي أو فلتغرُب عن وجهي!

غمرَ الفتى إحباطٌ عارم، كالمطر حين غمر ذلك التل. حدث الفتى نفسه: هل يخلع أحدنا كل ما عرفه عن نفسه في الحلم؟ هل أفقد ذاتي في الأحلام وأكون شيئًا مما تبقى منها أم أني أجدها كما لَم تتجلَّ في الواقع؟ كيف لي أن أتيقن حقيقة ما أخبرني به هذا المسن؟ أقلعت السماء، وفاضت المروج بالخيوط الملونة. نهض الفتى تاركًا المُسن الضَّجِر وراء ظهره وهبط ناحية النهر أسفل التل. سحق الخيوط تحت قدميه؛ فبدت الأرض زلقة. اقترب من النهر بحذر، لم يتمالك توازنه فهوى في مجراه، وتخطّفته التيارات المتدفقة حتّى حملته نحو ضفة أخرى.


سَلَّم نهر التيه الفتى إلى بحيرة بنفسجية، تحيط بها أرض جرداء مُظلمة، لا يشكّل ملامحها سوى صخور عظيمة مُلقاةٍ في أرجائها. استلقى الفتى إلى اليابسة متعبًا، أُسدلت مدّ بصره سماء زرقاء قاتمة، تسبح فيها قطع ممزقة كأشباح هائمة، تنتثر فيما بينها مكعبات فضية مضيئة، تطوف حول بؤرة مُشِعّة، تستضيء بها الأرض من تحته. طالع العالَمَ من حوله في ذهول شديد، وفي تيهٍ حدث الفتى نفسه: هل هذا حُلم آخر أم واقع كما قال المُسن؟ إنْ كان المرج الأصفر هو الواقع، فما عسى هذا العالم أن يكون؟


تلفت باحثًا عن أثر للحياة في ظلال الوحشة المحيطة به. شقّ بخطواته مسلكًا طويلًا نحو وادٍ صخريّ أزرق، حيث بدا له من بعيدٍ بُرج فضيّ شاخص كهيكلٍ معدني، اتجه الفتى نحوه باحثًا عن مَعلَمٍ للحياة، لاحظ حركةً في داخله، فاستأنس رغم توجسه، وفي غمرة ترقبه، ظهر رجلٌ نحيل بشعر غير مشذب، تلمع عيناه كأنها زجاج صقيل لا ينفذ إلى ما في باطنه. بنبرة رخيمة خاطبَ الفتى: لم يزرني أحد منذ زمن، يبدو أن نهر التيه قد جرّك إلى هُنا، فلماذا؟


بتماسك أجاب الفتى: كنت قد استيقظتُ على عالم ملون اعتقدتُّ أنه حُلمٌ، لكن حارس المرج الأصفر أخبرني جازمًا أنه الواقع، ثم وجدتُ نفسي ههنا في عالم مختلف تمامًا، فما عسى حقيقة الواقع أن تكون؟! تبادر للعالِم سُخف سؤاله، فردّ بازدراء: هل حملك النهر إلى هذا الوادي لتسأل عن شيء بديهي كالحقيقة؟ لا توجد حقيقة، الأمر بهذه البساطة. تراجع الفتى خطوتين إلى الوراء، وقطّب جبينه، بدا كمن لم يتوقع إجابة كهذه.


همّ العالِم بالعودة إلى بُرجه، فاستوقفه الفتى بصوت عال: مهلًا، لا ينبغي للإجابات أن تكون مقتضبة هكذا! في حنق تابع: كيف تقول لي أنه لا وجود للحقيقة؟! كيف لنا أن نؤمن بشيء دون وجود حقائق؟ كيف لي حتى أن أصدقك دون أن تُبرهن على قولك؟


توقف العالِم، والتفت نحو الفتى مجدّدًا: لستَ مضطرًا لتصديقي يا فتى، فنحن في النهاية لا ننتمي للعالَمِ ذاته، ولا نحتكم إلى المنطق نفسه! استرسل بجدية: سأحكي لك حكاية الحقيقة. في الماضي كان هنالك أثير يغطي جميع العوالم، تثبِّته أوتاد في الملكوت، يميز به الناس الحقيقة من عدمها، ويُفصل به بينهم أيًّا كان عالمهم. ولكن العوالم اختصمت فيما بينها وأرادت التفرد بالحقيقة لها وحدها.


أتَرى تلك القطع المنتثرة في السماء؟ هذه القطع هي بقايا الأثير الذي تمزق بعد أن تنازعته العوالم فيما بينها!

وبعد ذلك شكّل كل عالَمٍ من مِزَق الأثير الهائمةِ حقيقته الخاصة به، حتى صار كل عالَم من تلك العوالم يزعم بأنه يملك الحقيقة وحده! في حين أنه لم تبقَ هنالك حقيقة خالصة!


تأمل الفتى السماء، ورأى مِزَق الأثير تتلاشى في كل ناحية، لاحت بين عينيه ذكرى خاطفة لصورة تلك السُّحُب التي كانت تظلّل واقعه الذي يبحث عنه.سكنت زوبعة الأفكار التي كانت تدور في ذهن الفتى، فصار كمن فقد الأمل في غمرة توقده:


-إذًا هل انتزع عالمي نصيبه من الحقيقة أيضًا؟ كيف أعرف الآن أن ما كنت أريد العودة إليه واقعٌ أم حُلمٌ كاذب؟ كيف أتأكد إنْ كانت ذكرياتي التي أرغب باستعادتها موجودة حقًّا أم لا؟

هكذا حدثته نفسه، ثم اعترض:

أرجوك لا تقل لي بعد هذا أنّي كنت أبحث عن شيء لا وجود له!

صمت عنه العالِم، والتفت نحو البُرج عائدًا إلى خلوته.


جرّ الفتى خطواته بلا هدى، تاركًا وراءه البُرج الفضي. شعر بألم يعتصره، اختلطت بداخله المشاعر والأفكار، لم يعد إلى أيٍّ منها ينتمي، تهدّم يقينه بسيل الشك الجارف، وهوى في دوامة من الضياع إلى عُمق التيه.


ـــــــــــــــــــ


-يا لَهذا العذاب والألم الذي لا يُطاق! هل هويت إلى قاع حُلم أم كابوس؟

ارتطم الفتى بأرضٍ تكسوها شفرات حادة، أُدمي ظهره ونزفت راحتا يديه من خشونتها، سالت جراحه واختلطت حمرة دمه بحُمرة الأرض الملتهبة.


تلفت ذات اليمين وذات الشمال محاولًا جمع قواه، باحثًا عن ملجأ من هذه الأرض المُسنّنة، فأبصرَ حَرَّةً بركانية تطغى بلونها القرمزي، تمتد على سطحها جبال مدببة القمم كأسنّة الرماح، تكاد تضيء من فوران الحمم البركانية داخلها كمثل غضب مكبوت في الجوف، ينبعث من فوهاتها الضيقة دخان كثيف يغطي السماء بغشاء ضبابيّ أحمر، مستنيرٍ بضوء الأرض المتوهج كالسراج.


زحف بجسده المنهك بجراحه على الأرض المسنّنة، وفي ألم صرخ في داخله:

-الألم؟ ما الذي يجعله حقيقيًّا هكذا؟ ألا يكون الألم أيضًا غير حقيقي كأيّ وهم كنت أعتنقه قبل أنْ يتلبسني هذا الكابوس؟ تعثّر بصرُ الفتى بقطعَ الأثيرِ هائمة في الجو كهيئة صفائحَ معدنية حادة ومتنافرة. ونفذ في رُوعِه سؤال كسنان حادّ:


-أيُعقل أن يكون هذا الجحيم عقابًا لمن أدرك شيئًا لا ينبغي له أن يدركه؟ أهذه نهاية من وعى تقلُّب الحقيقة؟

قاطع سيل أفكاره، رجُلٌ لاح لناظريه معتليًا إحدى القمم، وبيده عصا طويلة تتوّجها كُرة من زجاج، يتطاير منها الشرَر. صوّبها بغيظ نحو فوهة البركان المشتعل، وقلّب بها حِمَمه المتأججة.


زحف الفتى حتى بلغَ سفح الجبل واستند إليه غارقًا في بحيرة من دمائه وأفكاره. رفع رأسه فرأى ذلك الرجل المتجهم متجهًا إليه، مرتديًا درعًا حديدية كمحارب لم يبرح معركته. أقبَل عليه، وجهرَ بصوته: تبدو في حال مُزرية، أظن أنك مررت بكثير من الشك حتى بلغت هذه الحَرَّةِ الحمراء! نظر الفتى إلى الرجل بإعياء، ولم تطاوعه كلماته، فصمت.


واصل الرجل: إني أنا حارس الغضب المائر في جوف الجبال كما ترى، أؤججها لكيلا يخمد لهيب بركانها فتصير رمادًا، وسأضرمها ما حييتُ. تحامل الفتى على جراحه، وبصعوبة خاطبه بكلمات متقطعة وصوت متهدج: من أين تستقي اعتقادك الجازم بالحقيقة؟ ألا ترى الأثير من فوقنا وقد تمزق ليشي بألا حقيقة ماثلةً في أي عالم؟! إني أنا في حالتي هذه لا زلت أشك حتى إذا ما كنت أتألم!


علا صوت الرجل الأجش في سخرية ظاهرة:

هل مررت بالعالِم الذي يجعل مِن كل مّن يمر به جاهلًا؟!

شكوك تشي بأنك قد صدقته، وسمحت له بأن يخدعك بكلماته. يبدو أن العالِم قد غاب عنه أنه ليس برجًا يبثُّ الحقيقة! توكأ الرجل على عصاه الناريّة، واسترسل متهكمًا:

حتى الرجل الذي يقدّم نفسه عالِمًا، قد لوّن الحقيقة برأيه، معتقدًا أنه يقدم للتهائين في فضاء العوالم حقائق مُجردة!

توجّه ببصره إلى السماء، وأردف:


إن كان الأثير قد تمزق.. فهل يعني ذلك أن الحقائق قد اختفت بصورة مطلقة؟

لا، بل صار كل عالَم محتكمًا لأثيره، فأصبح صادقًا من زاويته.

حدق الفتى بالرجل، منصتاً باهتمام.

أما أنت ألم تلحظ أنك حين انتقلت من عالَم لآخرَ قد كابدت أهوالًا، فكلما اصطدمت بعالَم جديد بدّد يقينك وعاث به؟ ثم أشار: انظر إلى جراحك المتصدعة من فرط ما تزلزلتَ، ألا تشعر في داخلك بوخزات الألم اللاذعة؟ ألا يشير كل ذلك إلى أنك تتألم؟! ألا يكفي ذلك لأنْ تصدّق أنك تُعاني؟ تلك أوجاع حقيقية. انظر إليّ أنا لا زلت أعيش رغم كل براكين الغضب الثائرة بداخلي، هذه هي الحقيقة التي ركنتُ إليها بعد الشك، لم يكن ذلك الضياع هو النهاية.


صمت الفتى بُرهة، ثم نظر مِن حوله: هل هذا العالم هو الذي سأنتهي إليه إذًا؟ إن كنتَ قد انتهيت إلى اليقين فيه، فهل يكون هذا العالم مُستقَرًّا للتائهين؟ بحزم زمّ الرجل شفتيه، وعقّب:


لا يجد أحدنا راحته في عالم تشكَّل ليناسب غيره، ألا ترى كيف أدماك عالمي؟ لقد تخبطت في التيه بين العوالم، ولن تستقر على حقيقةٍ حتى تبلغ منتهاه. وجّه الرجل -متدجّجًا بدرع السخرية- صولجانه الملتهب إلى جسد الفتى، فانطلقت منه حِمَم هائلة، ودفعته قوة الشَّرر نحو غياهب التيه.


هبط جسد الفتى وهبّت عليه نسمات باردة؛ فبدأت جراحه تلتئم شيئًا فشيئًا، حاول فتح عينيه جاهدًا، فأبصرَ أرضًا تغطيها حُلَة بيضاء تكسو المكان. أطلق بصره نحو مسطحات الثلج البيضاء المترامية على مدّ البصر، حيث تتخللها بحيرات جليدية شفافة. وقف الفتى بخفة لم يعهدها بعد عذاب قد أَمضَّهُ وأنهكه، حرك قدميه على الأرض المتجمدة من تحتهما وانحنى بجسده ليقبض على حفنة من الثلج، طالعها متأملًا نقاء بياضها، لم يؤذه صقيعها، ابتسم ونثرها مع النسمات الباردة. نفض كل الأفكار التي تتداخل في ذهنه حول ضياعه وما جرى في تيهه وبدأ يصغي لصوت خافت في وجدانه، يشعُّ شيئًا فشيئًا بنور أبيض، يخبره ألا ينصاع لشيء لم ينبع من ذاته، أنّ الحقيقة كانت دائمًا داخله.

تسرب اليقين لجوانحه، وأضاءت حقيقته عالَمه. رفع بصره نحو السماء عاليًا فبدا له الأثير في هيئة بلورات شفافة متسقة، شعر بأن نقاءها يمتزج بروحه.


حلقت روحه في ملكوتها نحو السماء المجلوّة كمرآة، فوجد ما بين حناياه ماثلًا فيها، وأحس بتماهيه معها. استلقى على ظهره في لحظة صفاء، وعاهد نفسه أن يجعل من عالم البياض مستراحًا يُثلج حُرقة التائهين، هكذا أغمض عينيه، واستسلم لنوم عميق.


سديم الراجحي

دلال آل الشيخ



21 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل