شعار مداد.png

آدم ونور

-ااا

-مرحبا، من معي؟

-أ..ن..ت م..ي..ت لا.. م..حالة

قطع الاتصال.. لم يفهم أحد ما يجري، عاد آدم إلى حجرته ليأخذ قسطًا من الراحة بعد يومٍ شاق مليء بالعمل، طرقت زوجته نور الباب، لكن آدم لم يُجِبْ، فتحته على مهلها، آدم ليس موجودًا! مشى القلق بخطواته المضطربة إلى ذهنها، اتصلت عليه ولم يرد، خرج آدم من منزله دون عودة، خرج حاملاً حلو ذكرياته وراءه، لم ينجُ من تأنيبِ ضميره طيلة السنوات الماضية، لم يكن شخصًا رحومًا عطوفًا ودودًا كما عُرِفَ عنه!

خرجت نور من البيت مسرعةً باحثةً عنه، في الحديقة المجاورة التي يرتادها ساعةً كل يوم، إلى الشاطئ الذي يقرب من بيتهما، إلى المكتبة التي تسرق معظم وقته لكن لا أثر له، فزعت ولبست ثوب القلق لأيامٍ متتالية، كيف لشخصٍ انطوائيّ ليس لديه علاقات كثيرة أن يختفي فجأةً!

في صباحِ يومٍ مكتظ بالكلمات المتزاحمة بالمشاعر المتلاطمة نهضت نور من السرير تأمل رؤية ظل آدم، هكذا كانت أقصى أمنياتها ألا تموت من ألم الفقد مرة أخرى بعد خسارة عائلتها كلها، ركبت الحافلة تنظر من وراء نافذة التلاشي، أطلقت على الهواء رصاصة الخذلان، خشيت أن يختل نظامها بخسارة آدم، كل تلك الخيالات المحمولة بروح الوجع غزت أفكار نور، اثنان يتحدثان ثلاثة أربعة خمسة عشر راكبًا في الحافلة يروون موت رجل عند الساحل الغربي، خافت نور وسألت عن هويته، لم يكن أحد يعرف، طلبت من السائق أن يأخذها مباشرة إلى هناك، نزلت من الحافلة، عندها أطلق الهواء عليها رصاصة الفاجعة، وسطت المصيبة على النوارس المحلقة، ركضت مبعدة الحشد عنها حتى تصل إلى الجثة، صرخت على الشرطي:

-دعني أرجوووك أرى من يكون..

-اهدئي أولاً ولك ذلك

كل أجزائها ترتجف، تلونت ملامحها، في لحظة غدت عجوزًا في الستين من عمرها، أزالت البطانية عن وجهه، صاحت بأعلى صوتها، رحل آدم، رحل أبي وأخي، صديقي الذي أسند رأسي المرهق عليه، طفلي في حين آخر، من ينجيني الآن من سخط الدنيا علي، من يعطيني أملاً لأنجو؟ نست نور بعدما رأته ما معنى الصمود للبقاءِ واقفةً على الأرض التعيسة..

-تفضلي أغراض الميت وتوجد أيضًا رسالة مكتوبة بخط اليد

وقعت عينها المتعبة على الورقة المشؤومة، كانت رسالة آدم إليها، اختار الرحيل عن هذه الحياة؛ لأنه ميت بكل الأحوال بعد أن كشفت جريمته عندما كان شابًا بأنه دفع أباه الظالم فارتطم رأسه بشدة على الأرض، دخل إلى المستشفى ولأنه كان عجوزَا لم يتحمل جسده، نام سنوات عديدة، صحى في ليلة مكلومة نطق باسم غريمه ومات مباشرة، كان الاتصال نذير شؤم عليه إذ أنه والده، نور التي ظنت بأنها أحبت شخصًا نظيفًا كانت صدمتها أنه مجرم عرف كيف يخرس سوءه بالصمت المحكم..


نهى فقيهي

7 عرض