شعار مداد.png

الحقير الذي يغسل ملابسه أوتوماتيكيًا

وقف أمامَ المرآة يتأملُ الخدوشَ الحياتية المسماةَ تجاعيد وبدأ يخلطُ الصبغةَ السوداء في الإناء وتمتمَ في داخله "هل الشعر الأسود سيجعلني أبدو أصغر سنًا من فين اللحام؟ "


الساعةُ ٩:٠٠ص


" بعد عمرِ الخمسين.. لم أعد أتطلعُ الى أي شيءٍ في هذا العالم عدا صباحي. أقفُ محدقًا من الشرفةِ أستمعُ إلى أحاديثِ جارتي عبر الهاتف تشارك صديقتها آخر أحداث حياتها المملة ((لقد طبختُ صحنًا من اللازانيا وكان لذيذًا جدًا..)). أخ كم أودُ قضمة من تلكَ الوجبة ((أخبرتني المعلمة أن طفلي من المتفوقين في صفها..)) أخبريه أن الحياةَ مملةٌ وباهتة لا تستحقُ أيًا من هذا الجهد.


أتأملُ خيط غسيل الشقةِ المقابلةِ لي، أطرافُ ملابسهم متآكلة من فرط الغسيلِ اليدوي وكأنما جرذان المجاري أحيوا وليمةً عليه." يضحك بسخرية: "حمدًا لله على غسالتي حديثةَ الطراز، لا تتشقُ يداي والغسيل الأوتوماتيكي يضمن لي دومًا ملابسًا نظيفة وجافةً دون أن أجعل منها مادةً لضحكِ من قبل الجيران.."


الساعةُ ٩:٣٠ص


دراجةٌ قادمةٌ من أولِ الشارع يقودها فتىً يرمي بالجرائدِ يمينًا ويسارًا "ها هو إيلاي قادما دومًا على الوقت". صرخ الفتى: "جريدة الحرب والسياسة! جريدة الحرب والسياسة! سيد فريدسون! الجريدةُ يملئها الكثير من الأخبار.. جهز قهوتكَ ".


"إيلاي هو موزع الجرائد الخاصَ بهذا الشارع، شخصيًا هو أكثر شخصٍ في حياتي أشفق عليه، لا أعلمُ كيفَ يبدو الأمرُ أن تكونَ صغيرًا". وتوقفَ للحظاتٍ ثم أكمل:

"...تملئك الطاقةُ والشباب وتضيعُ عمرك في وظيفة مملةٍ رتيبةٍ كهذه.. حينما كنت في عمره كنت أعيش أجمل أيامِ عمري، مسكينٌ يا إيلاي..". وبتملقٍ بدأ يتأملُ الدراجة: "شبابه يضيعُ يقودُ تلك الحديدةَ البالية.." طقطقةٌ في ركبته وإثرها اتجه لأقربِ كرسيٍ ليجلس. صرخ إبريقُ القهوةِ مستنجدًا فريدسون أن ينقذه من النار.


"الجميلةُ أصبحت على أتم استعدادٍ للصباح، لم أحب في هذه الحياة امرأة كما أحب قهوتي.. لا توجدُ امرأة.. شخصٌ يستحقُ الحبَ كما قهوتي". سكب قهوته السوداء وكأنما الليل بدأ يسكنُ الفنجال. "أودُ أن أرى ملامح السيدة جونسون حينما تتذوقكِ.. أشك أنها ستطلب الطلاق من زوجها إثر ذلك البن البالي الذي يأتي به من محل البقالةِ الرخيص كل صباح.."


بدأ بتقبيلِ مقدمة الفنجان، قليلًا ويقلبُ متحمسًا حتى وقع فنجان القهوةِ منه.. بخطٍ عريضٍ وفي رأس الصفحة" بعدَ خمسينَ عامٍ من الاحتلال الطاغي حرر الثوار الدولةَ أخيرًا". مرفق: صورةُ أطفالٍ يرقصون ويضحكون. كانَ فريدسون يعملُ في مكتبِ مبيعات طوالَ عمرهِ حتى تقاعده ولم يهتم بالسياسة قط إلا في آخر خمسِ سنوات، خصوصًا موضوع تلكَ الدولةِ المحتلة.


استشعرَ فريدسون المرارةَ في شفتيه إثرَ القهوةِ وفي قلبهِ أثر الصدمة. ظل يتأمل الفرحَ

المنبثق من تلك الصورة لساعة. "كيف كانت ليلتهم الأولى؟!". انفتحَ ثقبٌ أسود في صدره، يتأملُ شقته القديمةَ بالشقوق والانتفاخات الناجمة عن المطر، نظر للمرآة ولاحظَ شيئًا عدا هيئته؛ وحدة روحه." كيف كانت ليلتهم الأولى؟!". لأولِ مرةٍ منذ خمسِ سنوات يشعر فريدسون بهذا الشعور، وكأنما الحرب تركت الدولةَ واشتعلت في روحه.


عبدالله السبيعي




54 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل