شعار مداد.png

الساعة السابعة

وسط أمطار الشتاء التي لا توقف وأجواء الشتاء المميزة.. الجميع منشغل بشيء بعضهم من يتأمل بصمت والآخر بيديه محبوبه ويتجول وأجواءِ الحب تطغي عليهم وفي الجهة المقابلة أطفال يلهون وآبائهم يصرخون خشية أن يقع أحدًا منهم وآخرين منهم في منازلهم مجتمعين حول نار مشتعلة دافئة كأحاديثهم العائلية، وفتاة في غرفتها على ألحانِ فنانها المفضل تبكي على محبوبٍ قد غادرها قسرًا ، وآخر يبتهل ويدعو الله تضرعًا وخشية.

أما هو منغمس بشيء آخر بين كتبه وأجهزته وأوراقه المبعثرة وأكواب ملقاة وقدح أسود تفوح منه رائحة القهوة ملأت أرجاء المكان والضوء الخافت الصادر من جهازه الذي أمامه، للتو انتهى من رسوماته يشعر بأن جسمه مثقل محمل بأثقال وأحجار تضيق عليه..

تنهد بهمس ثم أطال النظر إلى رسمته ، نظر نظرة فاحصة يتفحص كل جانب منها .."إنه التسليم الأخير" همس قائلًأ.

تأمل ذلك الجهاز أزرق اللون ، مستطيل الشكل وله حوافٌ عريضة وشبابيك زجاجية صغيرة ومزود بأسلاكٍ وخوذة بيضاء توضع على الرأس تبث بخارا يستنشقه من يجربه، قطع تفحصه صوت هاتفه الرنان نظر إلى المرسل ثم أعاد النظر إلى جهازه، حفظه في ملف سري وأرسله على بريده الإلكتروني ووقف وخطا خطواته نحو سريره ذو اللون الداكن.. استلقى بانهماك تلاقت جفونه لثوانٍ وعادت لتتفرق.. نظر إلى شاشة هاتفه وإذا برسالة مرسلة من "د.ستيف": إياك أن تنسى، التسليم غدًا. تجلت نصف الابتسامة على محياه وبداخله شعور لا يوصف هو خوف أم فرح أم هو توتر .. هل فعلًا سيغير العالم من خلال هذه الآلة.. أم تلك أوهام لن تتحقق.. مهما يكن سيجرب فالحياة مرة لِم لا يعيشها؟

رأى طيف امرأة في أواخر الأربعين تبتسم نفس تلك الابتسامة الحانية وتنظر إليه بحب وبين عينيها لمعة رضا لم تنطق بها شفاها .. تنهد بحسرة وضيق أين أنتِ أمي؟ ، وأين أنتِ سارّة .. ليتكن ترين ما الذي أفعله .. أنه من أجلكم فذلك السواد قد قضى عليكن وجعلني أتجرع مرارة فراقكن لسنوات.. تلك كانت آخر أفكار "ريان" في تلك الليلة الشاعرية.

في الصباح الباكر نظر لمرآته ذات الحواف الداكنة يقف بهدوء وبداخله ألف عاصفة وعاصفة.. يرتدي ثوبا بنيا وغترة بيضاء يعتليها عقال أسود قاسٍ لامست أنامله عطره المفضل لترش بعشوائية على سائر ثوبه.. خرج من غرفته مسرعًا إلى الأسفل.. خرج أخاه الأصغر وعلى ملامحه علاماتِ التعجب والاستنكار التقى حاجيبه بعضهما البعض وهو يسأل: إلى أين؟

أجابه ريان بابتسامة هادئة والتقط قنينة قهوته التي على الطاولة: لدي مناقشة مشروع ، أدع لي .. وخرج بنفسِ سرعته وسط تهكم أخاه اللامبالي.

في ذلك المقر..

غرفة اجتماع واسعة ، عشر كراسي ممتلئة بأشخاص ذو خبراتٍ عالية ، ومناصب مرموقة ..

أشر على الشاشة المعروضة وتحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة قائلًا : اخترت الأزرق لأنه يدل على الخيال والحرية وهذه الفكرة أتتني بما يدعى حرية الفكر والخيال ، أما الأبيض فهو دليل على الصفاء والبراءة.. وهذا هدفي، أن أمحي الحقد والغل الذي يكمن في قلوب البشر وأبدله بصفاء.. قاطعه أحدهم مستفسرًا : ولِم تلك الفكرة ؟ لِم جهاز يمحي كل كلمة سيئة أو حقد؟ ، هل يوجد سبب واقعي وراء ذلك؟

سكت قليلًا يشعر بأن ذلك اليوم المشؤوم يمر أمام عينه وفاة أخته ووالدته بسبب حقد جارتهم ابتسم بحزن وقال: نعم ، فقد توفى لي عزيز بسبب الكراهية ومن هنا بدأت أفكر بحل يقضي على ذلك الوباء القاتل .. وأخذ يكمل شرحه ثم قال.. نأتي عند أهم نقطة وأشر على عرضه: متى يبدأ مفعوله؟

حسب التجارب خلال جلستين إلى ثلاث جلسات.. أما الأعراض المصاحبة فهي الدوخة ، والغثيان و.... قاطعه صوت مزعج كصوتِ جرس عالٍ ونداء عليه بصوت مزعج.. شعر بأن الأرض كأنها تبتلعه لمكان أسود ثم شهق بصوت عالٍ وأخذ يتنفس وعينيه جحظت. ينظر حوله ونبضات قلبه تتسارع.. غرفته؟ ، نظر باستغراب للواقفة أمامه ويديها حول خصرها عاقدة حاجيبها قائلة بغضب وهي تؤشر على الساعة المعلقة على الحائط: الساعة السابعة .. محاضرات .. جامعة أنسيت هذا أيضًا؟ ضربته على كتفيه ثم أردفت .. هيا!

ثم خرجت ..


أروى البابطين

22 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل