شعار مداد.png

العَوْد الأبدي

تاريخ التحديث: 26 أغسطس 2020



الواقع، الوعي، اليقين التام بصلابته، هذا الجثوم، هذه الهيمنة المطبقة للقدر أو للعود الأبدي.


اليوم، اليوم الذي مضت عليه عقودٌ، مازال اليوم، ارتجع الحقائق فيه، أجادل الوعي أن يتركني، أغمض عينيّ وأمضي في وهم الأيام، توالي الأيام، لا تُحاولُ إجباري على الإيمان بها وتستمتع بكونها خرافة، حيث تتآكل في الوعي وأنا، يلفظني كفكرة تستعصي على الوجود، يجادلني فيما أنا عليه، أي مخاوفي، وينشرها في وجه الريح لتتجمع أمام داري في الصباح كإعادة لليوم، حيث لا يتغير مع تمدد الزمن، فاليوم هو اليوم وما بعده اليوم.


وعيت على صوت الغارة مجدداً، فزعت دونما حركة كمن استيقظ في جسدٍ نائم، بدأ صوتها بالتلاشي حين أدركت ألا أحد من حولي كان يركض وأن السقف لا يزال سليماً، كان الصوتُ يرن داخل أذنيّ فقط، وصداعٌ شديدٌ يهب في رأسي كلما حركته ملتفتاً، حينها أدركت بأن ذراعي مفقودة، ليست موجودة، لقد قُطَعت، وأول ما فطنت إليه كانت الموسيقى، كيف سأعزف؟ كيف سأحمل الكمان وكيف ستلاحق أصابعٌ خمسة كل مفاتيح البيانو؟ رعبٌ بارد ألمَّ بقلبي وأعجزني عن التنفس، فهذا كل ما تدور حياتي حوله، وما أُمنّي نفسي بالعودة إليه، وسبب مقاومتي وبقائي مع كل ما يحدث هنا من بشاعة، خفت من أن أفكر، من أن أتخيل القادم، من أن أتوقع ما هو أكيد جراء حقيقة كهذه، أوقفت عقلي، فجأة، لكيلا أغرق أكثر، لابد من حلٍ لهذا الأمر، "ليس من ذلك بد".


-هانز العزيز! شكراً للقدير! اشتقت لك يا بني


لم أجد ما أقوله، لا أجد بداخلي شعوراً حياً لأجاوب أمي به، أخرستُ كل صوتٍ داخلي طيلة الأسابيع السابقة ولكن روحي قد أُبكمت جراء ذلك، أخمدتُ فِكري أيضاً، لم أرد تخيل الحياة بعد هذه الحقيقة، ظننت بأني قد أهرب منها إن لم أفكر بما سيليها، ولكنها ما تزال باقية، وما زالت الحياة تتضاءل أكثر.


-تعال يا عزيزي، البيت يشتاق إليك، وقد هيأت آنا غرفتك وأعدت اليخنة المفضلة لديك


أظن بأن أمي لا تعي ما الذي يحدث الآن، تحاول القبض بيدها على ما يفوقنا جميعاً ويتخطانا بضخامته، ولكنها لا تدرك ذلك، لم تكن لتدركه أبداً، فقد أمضت سنينها كامرأة برجوازية تتطلع لما يعلوها دائماً، وقد عقدت على مستقبلي المزعوم جل آمالها، حيث تتجسد لي الآن كعبء آخر لا يجد لنفسه متسعا بين أعبائي.


أشهرٌ أخرى تأتي وتمر دون أن أجرؤ على التفكير، لا تغير سوى التئام الجرح الذي يغلق على ما بقي من ذراعي. ما زالت أمي غير مدركة، فقد جاءت إليَّ صباح اليوم بكتبي القديمة وأخرى جديدة، أحب فلسفة فريدرش نيتشه حول الموسيقا وهي تعلم ذلك، ولذلك قد جاءت إلي بجل مؤلفاته، أخذت أقرأ، ليس لشيء إلا أن أبتعد بنفسي عن نفسي، وبداخلي أملٌ صغيرٌ بإيجاد الخلاص، الخلاص من هذا الوعي الذي يحتجزني في هذا اليوم المتكرر والطافي على الزمان والمكان ولا يفضي بي إلا إلى الحقائق الثابتة، إن هانز الذي رأوا يوماً نبوغه وقدرته على أن يكون موسيقيَ ألمانيا التالي تردت حاله في الحرب وفقد ذراعه وشبح موسيقاه، إنه كلما لامست إبرة الفونوغراف طرف الأسطوانة اندلعت في أذنيه صفارات إنذار الغارات، في ذلك الوقت بدأت أفكر، أدركت ألا بد من ملومٍ على كل ما حدث، نبتت في عقلي فكرة تسبب صفير الغارات بكل شيء، لو أن صفارة غارة لم ترن في أذني لما استيقظت بعدها بذراع واحدة منهوب الروح، تبنيت تلك الفكرة عندها، وآمنت بأن الأعداء نهبوا شبح الموسيقى وأودعوا صفارة غاراتهم داخلي فأصبحت أسمعها في كل مرة تدور فيها أسطوانات "تريستان وإيسلوده" لفاغنر أو "بيلياس وميزيلاند" لشوينبرغ، ولكن المفارقة أن خلاصي الذي وجدته قد أفضى بي إلى السجن الأعظم، سجن الحياة بأكملها، حررني إلى وجه الضياع الفسيح داخل أسوار القدر المحكمة، حيث لا مجال للفرار من هذا العود الأبدي للمأساة التي قد أتيت بحثاً عن الخلاص منها، فهي ستعود، وستستمر بالعود، وسأعيش ذلك اليوم الذي نهبت فيه روحي مرات متكررة لا تحصى، من قال أن الوقت كفيل بحل كل شيء لم يعي العَوْد الأبدي قط، إن الفاجعة تزداد على مر الزمن، وإن ما هربت منه في الماضي يقف منتظراً-متطلعاً لك في المستقبل. لا جدوى من الأمل، فقد وجد للأصحاء فقط، من لم يحكم على قصتهم بالبؤس وانعدام الحيلة، أما أنا فلا ينتظرني سوى الخوف من التكرار اللانهائي لهذه الفاجعة، وجدال الوعي لي في كل أيامي المتشابهة بلا فائدة.


كأنني ولدت في تلك اللحظة وخُلّدت داخلها، أُعَرَّفُ بها، من عُنونت قصته بخسارته الكبرى للإرادة في حياته.

هانز، الموسيقا، الحرب، لا أنتمي لأي من ذلك، هل فقد نيتشه عقله أيضاً بسبب هذا الإدراك القاهر للتكرار الدائم للمآسي المهلكة؟ بأنه مهما توغل في سبر المجهول من المعرفة لن يغير ذلك من حقيقة بأنه قبيح وخاسرٌ للحب، وأنني معاقٌ ولن أعزف أو أسمع لحناً بعد الآن، وأن تكراراً قاهراً للأحداث سيستمر بالعود بشكلٍ أبدي؟ لابد لي من إيقاف هذا الانتظار لانتهاء العود المتكرر لذلك اليوم المشؤوم، فمهما انتظرت أي حدثٍ ليكسر هذا التكرار اليومي لمأساتي لا أجد سوى الوعي ليجردني من الأمل مجدداً، يجب عليه أن يكون أقصر لئلا أعيش الحياة بهذا الطول في كل مرة تعود فيها، أتساءل متى قررتُ ذلك، أدرك ألا إجابة لهذا، فليس من بداية للأمر، لحياتي ولمأساتي، فقد انبثقت منذ الأزل مع الخلق والكون أجمع واستمرت بالعود قسرياً، سيتوقف الأمر هنا، أعني في كل مرة، ستنتهي قصتي هنا، مع إدراكي القاهر بأن لا يد لي في ذلك، فقد قررت ذلك مسبقا، منذ وقتٍ طويل جدا، أو أقصر مما أتخيله حتى. مدرك أيضا بأن أمي تحتاج لأن أبتر من حياتها كما بترت يدي، ليس لأن تفقد ذاتها وإنما لتجدها وتحظى بفرصة الوجود السعيد دون الإدراك المميت الذي أفنى إرادتي، أو قدرتي على الإرادة، قبل أن أُوقعها في شَرك الوعي المفضي إلى اليأس، ستعيش الآن وستنظر للعالم بعينين آملتين، أو ليستا خائفتين على أقل تقدير، سأفنى ولن يكون لعودي الآخر معنى ولا للذي يليه، كما لم يكن لوجودي الحالي معنى كذلك، أرجو فقط، ألا يدرك أحدٌ آخرٌ ما أدركته، وأن يستمر بالعيش بإرادة مكذوبة ولكن على أقل تقديرٍ بحياة أخف من تلك التي قد عشتها.


سديم الراجحي

342 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل