شعار مداد.png

القافية الأخيرة

"هي امرأةٌ ذات صوت شِعري، كأنها اُبتلعت بواسطة أقصوصة أدبية، حروف اللغة والأدب تخرج منها برقة، يخيل لك أنها إحدى قصائد جبران، أو إحدى أغنيات شدا بها العندليب.. عيناها حالمة، آسرة، تعيد مغتربًا لأوطانه، ينبت الورد من خدها ويقطف، هي امرأة شرقية محيرة دومًا، كأن كاتبًا مر بها وعبر وقبل أن يستوطن نفسه بها.. تنهد، واستعد للمكوث في عينيها المعتمة، تفاصيلها العتيقة التي تدفعه للتساؤل دومًا: من أي محبرة أتت؟ ومن أي رواية هربت؟ وكيف احتضنتها هذه البلاد من دون أن يحدث أي دمار أو اختلال بأركان السلام فيها! كيف ملأت هذه الطرقات بالأزهار البيضاء؟ ودفعت بهجة الأطفال تعلو وجوه الشباب؟ لقد كانت مختلفة، أسطورية، تدفعك بعيدًا جدًا.. جدًا لسماءٍ عالية."

هكذا اختتم حديثة في تلك الأمسية الصمت الذي توقفت عنده الكلمات، الدهشة.. الذهول..

تصفيق مفاجئ كبير، ووقوف الحاضرين، تعالت الأصوات من حوله بالإطراءات والنداءات، كأن لمجلس الشعر المحتم على زواره الوقار والسكينة والتعبير عن الامتنان بضرب الكف بالكف قد تهدم، ابتسم بلطف.. وغادر.

غادر، ولكن ترك خلفه الكثير وآلاف المشاعر المختلفة على تلك المقاعد، الشوق.. الحب.. الأمل والأمان والفقد كأي كاتب عظيم يحرك السكون إلى حركات فعلية، ويبدل النقاط إلى فواصل، ويدفعك للقول بعد أن صمتَّ، الابتسامة.. بريق الأعين وقبضة الأنامل وميلان الرؤوس، كان يعيد الحياة لمن ذبل، والأمان لمن خشي، وقعت كلماته وقع قوافٍ صحيحة المدى.. خلع من جلباب الحضور رداء البصيرة، أُغمضت أعين الجميع، ترك نسيم الحفل صامتًا صاخبًا بما لا يُسمع.

في الطريق وبين الحشد المتين، وما ودع من ذاته خلف ستاره، حمل نفسه عائدًا، استبق طريقه بلا حافلة، رذاذ الغيث يتساقط وينذر بهبوبٍ العواصف، يداعب متنه بلا مظلة مبللاً، أكمل المسير إلى بقعة مجهولة بلا بوصلة، أراد أن يختفي من كونه هو، كان يسير وحسب إلى حيث ترشده قدامه، وإن كانت هذه الأمنية ليست ببعيدة عنه، اتكأ على أحد المقاعد المصفوفة، رفع رأسه إلى أعلى، واختلط الماء بالماء، كان طيفها وكلماتها الأخيرة ما يسر بباله، أخرج من محفظته ورقة اصفرّت بفعل الزمن، خطت برقة يد كأنها هربت من بستان البنفسج، ورائحة الورقة المتبددة من الأزل لكنها لاتزال عالقة بخياله، فكأنها الربيع كلما فتحها ليقرأها، صدى صوتها يجول و كلماتها المصفوفة منها إليه كما وعدها بعد إصرار عميق أن تكون آخر كلمات يكتبها من مروج الشعر وبحار الأدب الذي احتفظت به بصدرها، آخر عهد بينه وبين الكتب، آخر ورقة بيضاء تُدوّن وآخر ليلة بأرق الكتابة.. آخر ما سيُقرأ باسمه، تكون من محبرتها وتكون بذلك الختام لكل شيء.

"بعد أن أحدث خطيئته الكبرى، وتوارت عن حواسه وروحه نسم السكينة والهدوء.. بعد أن ضل يدور حول مقبرة حياته بخشيةٍ من العقاب ووجوبه، تلون بحزنٍ غطى جل ملامحه، لم أكن أعرفه. جسدًا ملطخًا نحيلا فُقد بريقه. كان يمتلك ألمًا كبيرًا، ظل حبيس نفسه داخل قوقعة رأسه، كان يشعر بالذنب.. تمنى لو في كل مرة يعتصر ضميره أن تُغفر خطاياه، رأيته جالسًا في المساء على عتبة ألمه حاولت أن انتشل حزنه حتى لو كان مخطئًا.. عز علي أن أراه يتلاشى كرمق مطرٍ هكذا، عانقته بشدة لأنتشل بؤسه، لكن كانت خطاياه معتبرة أكثر مما ظننت، شعرت بيأسهِ يلتصق بجسدي، كان جسده كله صيحة مربكة.. كان نحيبا قاتلا.. تحطم للهلاك، أصبح فارغًا متشبعًا بظل نفسه، مسودًا كحكاياتٍ قديمة مركونة على منضدة في إحدى القرى المهجورة، ضل يدور حول مقبرة حياته أدرك أن عليه أن يسلّم نفسه، لم يستطع أن يكمل المسير، توقف كل شيء عند تلك النقطة، وتجرد من كل شيء، لم يذق أي طعم للحياة بعدها، لقد ندم.

هم بقدميه لينال جزاءه، ليصلح مسيره، سيستطيع أن يتنفس هواء نقيًا مجددًا، سيستطيع أن يسقي الأزهار بكل بهجة، سيستطيع أن يغادر هذا الجسد الداكن الذي لُوّن ببشاعة، فغفران الذنب إن تقرر وإن تألم بقدر مغفرته سينجو.. ستكون رؤية مغفرته هي طوق نجاته وحبلٍ متين يتمسك به لا يلتف ويخنقه، علم طريق الصواب، علم طريق المغفرة."



اختَتَمت نهاية بطل الرواية وأنهت القافية الأخيرة، ودّع محبرته بكلمة المغفرة وكأنه يطلبها فعلاً، جسدَت ما حدث هنالك في تلك الليلة، وما اعتصر به ذكر ذلك أمر صعب، وإقرار نهايته بيديه هو ما لم يزول طيف بشر أو ملاك..

عاد لحجرته الصغيرة السرية البالية، عاد بين أرفف المكتبات المنتقاة بعناية، وبين دواوينه المخطوطة بروحه قبل يديه، أشتاق لحضرة المكان، وعكف واقفاً بعد رحلة طويلة متأملاً مقعده الذي عاش به جل تخبطات أيامه، اللحظات التي دفعته للأرض حين خانته أبجديته ويديه، واللحظات التي احتضن مكتبه دموعه حين فقد قواه، كان يراه وكأنها المرة الأولى التي يرى المكان، عاش أجمل لحظاته هنا وها هو يودعه بعد أن امتن لأصغر تفاصيله التي جعلته كاتبًا يشدو به الجميع من صرير الأرضية إلى الجدران الرطبة..

أغلق الباب سابقًا أنفاسه لاستنشاق رائحة المكان الخاصة ومودعًا ذكرياته وأيامه ليصنع أيامًا جديدة برفقة أوراق مختلفة ومحبرة أخرى..

ركب متن القافية الأخيرة..

ورحل.


منار البراهيم

68 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل