شعار مداد.png

تفيدة ورحلة سفر

كادت تركز رجليها كواحدة من أهم أعمدة البيت، تود أن تتشبث هنا على سجادتها، تطيل ركعات صلاة العشاء كي لا تغادر تلك المساحة بين سريرها ودولابها، وتقوم ببطء وتبتعد ببطء، تلف سجادتها وتطوي شرشفها وأهم ذكرياتها في تلك المساحة لتخبئها في أحد ثنايا شرشفها المطوي، ثم ترسم مسافة بينها وبين الجميع، وترتب نظرات الوداع لترسلها لإخوتها وأبيها.. أما أمها فستذهب معها لا محالة لتودعها طوال الطريق الذي لا يتجاوز كيلو مترا واحدا، وصلت للمكان المنشود(المستشفى)، كل أنفاس ذويها تتصاعد، يرجون أن تكون حمى بسيطة أو زكام عابر، ولكنها هي وحدها كانت متأكدة من أنها مصابة به، وفي أول خطوة لها في ساحة الكشف رأت الجموع تتهاوى لتعرف ما إذا كانت مصابة أم لا، فقالت في نفسها " لماذا الجميع هنا مستعجل لمعرفة قدره بالرغم من أنه في جميع الأحوال سيصيبه هذا القدر؟"

ودعت تفيدة أمها بالفعل عند الباب، ولكن ماذا تقول عن قلب الأم، توارت تحت الدرج لتطمئن، وقلبها يكاد يتشقق خوفًا عليها، عيناها أصبحتا باهتتين ويديها ترتجفان، ولكن تفيدة لم تكن خائفة سوى من وداع أمها وغيابها، والشوق القاتل الذي سيفترس كل أعضائها وأجهزتها، وعندما اقترب دورها، وكان الخبر أنها فعلًا مصابة لم تتفاجأ، وعوضًا عن ذلك خُرم قلبها وتهاوى عقلها في فراغ مميت وقاتل كذلك، الفراغ الذي يقوده الشيطان، لم تستطع أن ترتب كلماتها ولا حتى أن تسأل عن طريق الذهاب.. سمعت تفيدة صرخات أمها وحسرتها، وللمرة الأولى كانت هي السبب، ولم تستطع أن تغلف أمها بقبلاتها، أو أن تكبل جسدها المرتجف بيديها، أو أن تغلق صمام دموعها كما اعتادت.. لطالما شعرت تفيدة أنها هي الأم وأن تلك هي طفلتها، وأن البرد والظلام والخوف لا يجب أن يعرف طفلتها، ولا أن يحب الحزن جفنيها، استجمعت قواها لترسم ابتسامة حتى تشعرها أن بإمكانها أن تخوض هذا وأنها ستعود مرة أخرى.

الدكتور ياسر شخص طويل القامة، منحني الظهر، أقرع تمامًا، وعجوز إلى أبعد الحدود، في ابتسامته شيء من الخبث، وتشعر للحظة أن قصته شبيهة بقصة الدكتور الذي يحقن مرضاه بالمورفين ليرى آثار الموت عليهم، ويسرق أموالهم بعد ذلك، بدأ بجمع جميع المصابين وكنا أشبه بقطيع تائه نصف منا يبكي خوفًا، والنصف الآخر ما زال في وقع الصدمة وأنا بينهم وكأني لا أملك ميزة أن أكون جزءًا من القطيع.. اقترب الدكتور ياسر بلبس فضائي مقيت ومخيف ليقول لنا الخطاب التالي:

"فئران تجاربي أهلًا بكم في هذا الصرح العظيم، أود من الجميع أن يكفوا عن البكاء وأن يقللوا من نوبة الهلع تلك، فأمانتي المهنية تقف أمام كل شيء، أود أن تطمئنوا وأن تضعوا في بطونكم التي ستتعفن بطيخة صيفي، أما بعد، سأرسل جزءًا منكم في الباص للذهاب لمكان يبعد عن هنا بضع كيلو مترات في قرية أو بلدة أو حصن متواضع، وهناك جزء ضئيل من البشر والحياة، لا تخافوا هذه تجربة علاج، وأرجو أن تكون ناجحة.. توكلوا على الله".

وردًا على هذا الخطاب أو توضيحًا له لم يقل "فئران تجاربي"، ولكن تلك الكلمتان كانتا تلمعان من عينيه، ولم تكن بضع كيلو مترات، ولم يكن الصرح ينضح بالحياة أبدًا، كان أشبه بمتاهة، أخذ جزءًا بسيطًا من القطيع، ولم يكن يعرف أي من أهالي هذه المجموعة كانوا مرضاه لأول مرة، وهنا يكمن السر، فلم يأخذ أحدًا من بين الناس الذين يعرفهم، وهذا ما أصاب تفيدة بالقلق والخوف من الأمر ولكن هل هناك خيار؟

كان الركاب مختلفون من كل جنس ونوع، ومن كل بلد عربية، والغريب أن جميعهم شبان وشابات، تملكها الخوف عندما وقفت عند بوابة العبور للذهاب للباص، خافت من أن يأخذ الرجلان هاتفها، ولكن لم يحصل ذلك أبدًا، عندما جلست سمعت فتاة وشاب يتعاركان على أحد المقاعد القريبة من التكييف، فقالت له " لو سمحت هي جاءت أولاً لذا من حقها أن تجلس في هذا مكان، وبعدين من سبق لبق! " .. ليقول الشاب العربي " أنتن يا فتيات هذه المدينة جلمود" كانت تفيدة مطمئنة قليلًا، ولكن لم تستطع أن تتخطى صرخات أمها العذبة، أو حتى وجه ذلك الدكتور الجشع، ليعود القلق ليساورها مرة أخرى، وحتى تتخطاه رمت عينيها على الطريق، فكانت سكة سفر طويلة لا رجوع منها، لا علامات توحي بالحياة ولا نجوم في سماء تلك الأرض الجرداء، ولا سياج ولا أعمدة نور، وحتى تخفف من وحشتها وقلقها، اختارت أن تبيت في صوت طلال مداح ووجه أمها الذابل، تتحرك شفتاها على مسار الأغنية طوال الطريق المخيف:

مسافر.. مهاجر.. مودّع حبيب مودّع حبيب

مشيت في الطريق البعيد الغريب

طريق ما شفته.. طريق ما عرفته

شعرت أنها تليق بحضرتها وظرفها وموقفها، وأن طريق السفر هذا لا يوجد له طريق عودة ، ولكن كان هاتفها معها، بإمكانها أن تهاتف والدتها عند الوصول، وصلت أخيرًا مع جثتين من الركاب، ليرموهم بالخارج عند النزول من الباص، ولم يعترفوا أبدًا بتكريم الميت ودفنه، اعتصرت الألم ولم تتكلم، يبدو أنهم جماعة ديكتاتورية ولن يقبلوا رأيها أو دفاعها عن الجثتين، وقبل الدخول من ذلك الباب الخشبي الغامق ستكون تفيدة جثة ثالثة، لذا التزمت الصمت. وقف الرجلان على طرفي الباب وكأنهما دببة قطبية، ورجال سومو ذوي خبرة عريقة، لذا لم يفكر أحد منهم بالهروب، دخل الجميع الصرح وكانت أمامهم مسافة شاسعة ليدخلوا إلى حياتهم الجديدة، حياة المرض والغربة .. لا لم يكن الأمل يتسلل لعين أي واحد من الخمسة المتبقين.

دخلوا أخيرًا ليرشدهم رجلٌ عجوز يعرج إلى بيتوهم وغرفهم الجديدة، كانت تفيدة تقتنص معالم الحياة هناك (خياطة، بقالة، صيدلية، صانع أحذية، نجار، وثلاث حدائق) وجميع تلك المحلات كانت مضاءة باللون البنفسجي مع تسلل قليل من اللون الأحمر وجميع العاملون أشبه بالآلات.

دخلت تفيدة غرفة رثة بسجاد ممزق لا يشبه هندام المحلات التي مرت عليها في السابق، وقفت تتفقد المكان ليباغتها فأر صغير من الخارج فتلحق به مالكة الفأر لتمسكه وتقول الآتي "عذرًا هو مشاغب لكن نظيف وطيب" ابتسمت تفيدة " ولا يهمك"

الفتاة مالكة الفأر شقراء فاتنة صغيرة ويبدو على وجهها الطيبة والطواعية، سحبت تفيدة من يديها لتريها عائلتها وتتعرف عليهم، دخلت بيتهم فإذا بجميع من هم في الباص -المتبقون منهم أقصد- هناك! وكان الزوجان طيبان جدًا ومتعاونان، ولكنها تشعر أنهما سرقا شيئاً من ابتسامة الدكتور ياسر، الخبث والمكر والجشع، تمنت تفيدة أنها ركزت رجليها على سجادتها وأنها لم تنتهي بعد من صلاة العشاء، والآن شعرت بأن الأمر يستوجب اتصالاً بسيطًا لأمها عندما رأت الزوجة تحضن ابنتها، فأخذت هاتفها وبدأت بضغط الأرقام 054852.... "ولكن رقم أمي يبدأ ب 053 سأعيد كتابته " ومع كل رقم تضغطه يأتي رقم آخر، شعرت بغرابة، توترت قليلًا، لذا بحثت عن رقم أحد إخوتها ولكن لم تجد أي رقم مسجل في هاتفها، ولا حتى في عقلها.. اقتربت الزوجة بابتسامة ذلك الدكتور "مالك يا تفيدة؟ مش قادرة تتصلي على أمك"

أخفت تفيدة الأمر ولم تفصح عنه، لتذهب لزملاء رحلتها وتسألهم عما إذا كان بإمكان أحد منهم أن يعيرها هاتفه لبعض الوقت، ولكن كان الأمر يحصل مرارًا وتكرارًا، تهاوي الأرقام

واختلاطها والرعب الذي يساورها يزداد، وكأن أحدهم يلعب في عداد الأدرينالين، فطلبت منهم أن يتصلوا بأحد أقاربهم وكان يحصل ذات الأمر، خاف الجميع وتوتر ولكنها أصرت أن يخيطوا شفتيهم وأن يخفوا أفكارهم المشبوهة عن هذه العائلة، وأن يتعاملوا معهم بشكل عادي، استلقت تفيدة في غرفتها لتكتب رقم أمها باستمرار في مخيلتها، وتفكر في خطة 24 قيراط لا يمكن أن تفشل أبًدًا، خطة الهروب من رحلة السفر تلك فكانت تسير وفق التسلسل الآتي:

1-خروج من المتاهة 2 - استخدام ذات الباص للابتعاد 3 - ثم إيجاد طريق للعودة

بدأت تزور الشوارع في ذلك الحصن، وتسأل الجميع عما إذا قد خرجوا من هنا من قبل أم لا، كان الكل يقهقه بعد هذا السؤال، ليرد: "جربي وشوفي"، ومع كل مرة تغيب فيها تفيدة عن المنزل لم يكن أيًا من الزوجان يمنعاها، لم يخافا أن تهرب أو ترحل وكأن الأمر بقبضتهم. وفي ذات يوم قررت الهروب مع الشاب صاحب كلمة جلمود، وكان الأمر كالتالي: نزهة عائلية لأحد الحدائق الثلاث، ومن ثم المشي، وبعد ذلك الباب الخشبي العملاق، والعودة للديار.. ابتعدا عن مكان الجلوس ركضا فرحين ولكن العاملين كانت ملامحهم أشبه بملامح استهزاء وسخرية، ظنوا أنهما مجنونان.. رأت تفيدة الباب الخشبي وأخيرًا ركضت بكل ما تملك من أمل وفرحة ودمع، وتشعر أن الشوق لم يعد يبتلع أعضائها وأجهزتها، وأن الأيام التي مضت هنا تجربة، وستكتب عنها في مداد، وأن القلب الذي تمزق لرحيلها ستعود لتجمع أشلاءه بكل ود وتقبله قطعة قطعة، ولم يتملكها الخوف ولا الشكوك لأول مرة منذ زيارة هذا المكان، وفي طريقها للباب الخشبي تباطأت خطواتها وأصبحت تمشي بتمهل، لم تعد تلهث ولا تشعر بالمرض، ولا حتى السخونة وقررت أن تستمع لطلال مداح صوت قلبها الدافئ:

أنا راجع أشوفك.. سيرني حنيني إليك

أسأل عن ظروفك.. تأثير الليالي.. تأثير الليالي عليك

"آه يا أمي لو تعلمين تأثير تلك الليالي المظلمة وأنا بعيدة عنك" سحبت بكل جهدها الباب الخشبي هي وصاحب كلمة جلمود، واستطاعت بالفعل فتحه، ثم استدارت لتبحث عن الباص فإذا بها ترى الأضواء البنفسجية والحمراء والعاملين بابتسامة مهترئة، والرجل العجوز يمر من أمامهم " هو أنتوا هتفضلوا تدخلوا كل مرة من نفس الباب! "



ميلاد.ف

53 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل