شعار مداد.png

جائزة الحلم

"مرت السنوات بسرعة البرق"

كان هذا ما يجول في خاطرها وهي تلقي نظرة خاطفة من سريرها إلى رف الكتب أمامها، حيث استقرت الجائزة الذهبية التي تسلمتها البارحة، كُتب أعلاها "إلى سعادة الأستاذة الدكتورة مثيلة بمناسبة حصولها على جائزة الإبداع العلمي للعام ٢٠٣٠"

الساعة التاسعة مساء، البث التلفزيوني في صباح الغد، إنها مقابلتي الأولى ويبدو الأمر مربكا قليلا..

ما الذي علي ارتداؤه؟ وكيف سأتحدث أمام الجمهور؟

تنظر إلى المرآة وكأنها ترى شخصا مختلفا تماما، عينان أعياهما الإرهاق، واشتعل أعلى رأسها شيبا أمدها عمرا إلى عمرها

...

دخول المذيع أضفى هالة من الشؤم على المكان، وكأن غيمة رمادية غطت رؤوس الجماهير المتلهفة.

جلست مثيلة على الكرسي المقابل للمذيع، لم يستطع عقلها تجاهل الشارة المكتوبة بحروف ذهبية لونت اسمه "السيد أدهم"

شعرت بشح الهواء حولها، صمتٌ التهم أنفاس الجميع، والكل في ترقب لما ستدلي به البروفيسورة مثيلة!

بدأ المذيع أدهم حديثه باشمئزاز قائلا : "ما الذي تفعلينه هنا؟"

تدافعت الأفكار في عقلها "يبدو المذيع في غاية الوقاحة، لم يحضرني إلى هنا ثم يسألني عما أفعله، ولكن.. أشعر بأني لا أستطيع لومه، فما الذي أفعله حقا؟ ولم أشعر بأني لا أنتمي إلى هنا، هناك خطب ما" ، نظرت إليه بصمت مربك وانتظرت رده

"تعلمين أن ذهابك إلى العمل يوميا لن يحدث فرقا، ما تدعينه بالإنجازات هو مجرد مضيعة للوقت" أكمل أدهم حديثه

عزمت مثيلة على الرد والدفاع عن نفسها هذه المرة ولكن .."ما هذا؟ يبدو أن الحروف عالقة في أعلى حلقي وتأبى الخروج ، أشعر بضيق في النفس"

قالت لنفسها والإحباط يعلو وجهها "ألا يبدو الاختباء تحت غطاء السرير أكثر نفعا؟ ما الذي أتى بي إلى هنا، ولم هذا الحشد من الجماهير ينظر إلي بكل هذا التجهم؟"

"نظراتك تخبرني برغبتك الملحة في الفرار بعيدا" قال أدهم بسخرية ثم أردف "يسمونني السيد شؤم لأنني امتص الحياة الزائفة من وجوه ضيوفي وأظهرهم على حقيقتهم"

يا لهذا المذيع البغيض- قالت مثيلة- من يظن نفسه! ، ولكني لا زلت عاجزة عن الرد، وكأن حنجرتي أصبحت خارج سيطرتي.. ومن يهتم، فلطالما كنت أكره صوتي المزعج على أية حال !".

أكمل المذيع ببرود "حسنا، دعينا ننتقل لسؤال آخر، تكثرين الحديث عن طموحاتك في المستقبل، فهل الأشخاص مثلك يمكنهم تحقيق شيء ما؟ متى ستعترفين بحقيقة أنك كنت ولا زلت وستبقين لاشيء..!"

استجمعت قواها في محاولة الرد ولكن دون جدوى، بل أن عقلها بدأ في الاستسلام شيئا فشيئا، وكأنها تعرضت لتنويم مغناطيسي من قبل المذيع والجمهور معا.

"ابتسم المذيع بتهكم "تبدو إجاباتك مملة جدا كما هي حقيقتك، توقعت إجابات أكثر إثارة، ولكن كما أسلفت سابقا أنت لا شيء، مجرد نكرة!" ارتسمت ذات النظرات على وجه الجمهور وانفجروا بالضحك وكأن ما يحدث أمامهم هو عرض كوميدي من الدرجة الأولى.

تسارعت ضربات قلبها ولم تستطع تمالك أنفاسها هذه المرة، شيء ما داخلها بدأ بالفوران كفوهة بركان على وشك الانفجار.

بدأ جسدها في الارتجاف، ضاقت ذرعا من نظرات الشفقة التي ارتسمت على وجوه الحضور

تساءلت "أهذا حقا هو كل ما أملكه؟" استجمعت قواها كلها في أسفل قدميها عازمة على الوقوف وفك القيود الخفية التي كبلتها على المقعد.

قررت بأن التغيير قد حان، وبأن الحرب بدأت للتو، ستواجه الجميع بقوة وستدافع عن طموحاتها ولن تسمح للسخرية أن تكون عائقا في طريقها.

قفزت من الكرسي، وإذ بغطاء السرير ينساب من على جسدها، تلقي بنظرها مرة أخرى إلى رف الكتب حيث استقرت الجائزة ولكن.. أين هي؟؟ هرعت إلى هاتفها المحمول، ألقت نظرة على الساعة والتقويم في آن واحد "الساعة السابعة، الحادي عشر من يونيو للعام ٢٠٢٠"

استغرقتها الحيرة " أيعقل أن أعود بالزمن ١٠ سنين؟ أم... يا إلهي تأخرت عن موعد المقابلة الوظيفية، إنها وظيفتي الأولى وعلي أن أثبت جدارتي بالحصول عليها!"

ركبت سيارتها على عجالة والحماسة تتملكها "حظيت بحلم غريب ولكن ما هذا الشعور الذي يتملكني؟ وكأن مخاوفي تلاشت دونما رجعة، لقد حققت انتصاري في حرب العقل" ..

آن الأوان للتحرر من القيود التي كانت تكبل عقلي، وها أنا الآن على أتم الاستعداد لمواجهة حياتي مرة أخرى دونما تردد.


حفصة العلي

105 عرض