شعار مداد.png

رأسك بين يديك

"في ظل تطور العلم وتقدم التكنولوجيا، أتيحت فرص كبيرة لحل الكثير من المعضلات التي كانت عائقا كبيرا في وجه البشرية سابقا، وقد نهضت الأمم طبيا وعلميا وصناعيا واقتصاديا في جميع أصناف التقدم والتطور"

مازال ذلك الإعلان يعاد ويصدح صدى صوته في غرفة المعيشة المجاورة للمطبخ الصغير المفتوح على بقية الغرف والتي أعني بها غرفة النوم وغرفة المعيشة، فقط وفي آخر الممر دورة مياه.

ذلك المنزل رغم صغره إلا أنه مليء بالدفء، تسكنه سيدة شارفت على عقدها الرابع، حياتها بسيطة تعمل في روضة قريبة للأطفال، امرأة عزباء، حياتها فارغة تتمثل فقط في عملها ومنزلها، ليس هناك ما يثير الاهتمام، لا تحب إقامة الصداقات أو حتى الارتباط، تفضل الوحدة على وجود طرف آخر لابد له في يوم من الأيام الرحيل.

أطفئت الفرن لتضع المعكرونة بالجبن داخل طبق زجاجي صغير وسكبت لنفسها مشروبا غازيا، وضعتها على طاولة الطعام المستديرة، في الآونة الأخيرة باتت تعاني من النسيان بشكل مستمر حتى أنها نسيت أسماء بعض طلاب صفها، بل إنها نسيت طالبين، وأنكرت كونها تدرسهما إلى أن تدخل طاقم العمل وأثبتوا أنهما يدرسان عندها منذ الفصل الدراسي الأول، وليست تلك المعضلة الأكبر، فهي أصبحت تشرد كثيرا ولا تعود للواقع إلا بعد وقت طويل، وتصاحب تلك الحالة نسيان فظيع للأحداث، ولما يجري حولها، وتأخذ وقتا طويلا للتذكر، كانت تتجاهل هذا الأمر لفترة، إلا أنها بدأت ترى الأمر يتطور والمشكلة تتفاقم، فأخذت موعدا عند الطبيب في ظهيرة الغد بعد أن تنهي عملها، ولم يكن هذا الموعد الوحيد الذي أخذته فهي قد أخذت سبعة مواعيد سابقة ونسيت أمرها، لذلك دونت موعدها في كل مكان في المنزل ولم تنسى كتابته في يدها أيضا.

أنهت طعامها وتوجهت للسرير تحاول النوم لكنها لم تستطع، فكرت في حياتها سابقا كان لديها الكثير من الأمور المهمة والثمينة وهي بالتأكيد لا تريد نسيانها هي كانت طالبة متفوقة بل كانت الأولى على دفعة الطب البشري، إلا أنها منذ توفيت والدتها وشقيقها حتى أصبحت الدنيا بلا لون في نظرها، لم ترد أن تتقدم للعمل في المشفى، فقط كانت ترغب بأي شيء ينسيها تلك الحادثة.

الأيام الجميلة التي جمعتها بهما بدأت بالتلاشي تدريجيا وهذا ما كانت تخشاه، تلك الذكريات الأهم هي ما تريده، أما البقية فهي ليست بتلك الأهمية بالنسبة لها.

اليوم التالي لم يخلو من شرودها ونسيانها إلى أن أتى الموعد الذي كاد أن يفوتها لو لم تنبهها إحدى زميلاتها بالعمل، توجهت للمشفى بسرعة وحالما دخلت عند الطبيب نسيت لما أتت، حتى أنها بدت وكأنها تغرق في عالم اللاوعي.

الطبيب الذي يعاين حالتها انتبه للأعراض التي رسمت على حالتها، هو تعرف على الفتاة فور دخولها، إنها هي صديقته التي تخرجت بأعلى تقدير على دفعتهم وكان آخر لقاء بينهما في جنازة والدتها وشقيقها الذي يوافق العام التالي بعد تخرجهم.

ناداها أكثر من مرة لكنها لم تستجب، شخّص حالتها وهي مازالت تائهة في دوامة من الأفكار الغريبة، ذكريات تسبح وأخرى تمحى ببطء أمام عينيها، علم الخطب الذي تعاني منه، إنه الزهايمر المبكر، وبعد عشر دقائق أفاقت من شرودها لتنظر حولها برعب فهي نسيت لما هي هنا؟

حاول أن يهدأ من روعها، وقد نجح في ذلك إلا أنه لم ينجح في جعلها تتذكره على الرغم من صداقتهما في فترة الدراسة.

أخبرها عن المشكلة التي تعاني منها ووصف لها أدوية تقلل تدهور حالتها لكنها لا تشفيها منها، إنها فقط لتأخير الأعراض قليلا والتخفيف من نوبات الشرود التي تعاني منها، عندما قال إن ما تعاني منه ليس له دواء، ابتسمت بسخرية مثيرة استغرابه، فما الداعي للسخرية؟ نظرت له واردفت بكونها حفظت كلمات تعاد على أذنيها بشكل يومي عن تطور العلم والتكنولوجيا وتقدم الصناعة والتطور في جميع مجالات الحياة ومنها الطب، إلا إن كل ما تقدم البشر من كونهم مدركين لكل شيء يظهر لهم ما يثبت نقصانهم، مهما وصلوا للكمال هم لم يستطيعوا أن يحفظوا لشخص مجرد ذكريات فما الذي يجعلهم يتباهون؟

لم يحيطوا بكل شيء، إذا لم يخولوا لترقية أنفسهم للمجد، مازالوا كل لحظة يتعلمون ويكتشفون؟

تلك الكلمات ألجمت الطبيب عن الرد، يود لو يستطيع مساعدتها لكن الموضوع خارج إرادته، وتأتي الرياح دوما بما لا تشتهي السفن.

خرجت من العيادة بعد أن أخذت وصفة الأدوية وصرفت الدواء من الصيدلية المجاورة للمشفى، وقامت بتسجيل كل شيء مهم ابتداء من الأدوية التي صرفتها إلى ذكريات سابقة لا تريدها أن تنمحي، سهرت تلك الليلة تسجل جميع ذكرياتها السابقة وأثناء كتابتها تمنت لو أن هذا القلم يحفظ الذكرى كما حصلت في موقفها وأن لا تكون مجرد كلمات على ورق. خطرت في بالها فكرة، لكنها خافت أن تنهض صباحا ولا تعرف من هي، فسجلتها وقامت بالاتصال بذلك الطبيب الذي أخبرها أنه كان صديقها سابقا والثاني على الدفعة بعدها.

رغم تأخر الوقت إلا أنه أجاب على هاتفه وأول ما قالته كان (ماذا لو كان رأسك بين يديك؟) تلك الجملة ترددت في عقل الطبيب، مازال حديثهما بالأمس يدور ويدور في ذهنه حتى أنه أقفل عيادته مبكرا ليتسنى له الحديث معها وفهم ما تخطط له؟ هو مدرك أن ما تنوي عليه سيغير البشرية وسيخط في التاريخ إن نجح؛ لذلك هو مصر على مساعدتها، أقلها يعوضها عن كل تلك السنين التي دفنت بها.

دخل إلى شقتها المتواضعة، وبالرغم من كونها صغيرة وفارغة من أي شخص غيرها، إلا أنه أحس بدفء يختلجه فور دخوله، نظر للمكان حوله، مليء بالأوراق المعلقة على الحائط وعلى الثلاجة وعلى طاولة الطعام، كما أن أمامها تصاميم أولية لاختراعها الجديد الذي تريد تقديمه للعالم كهدية.

تقدم من الأوراق ناظرا بإعجاب نحو تصاميمها، أبدعت حقا على الرغم من مرضها، لم تفقد موهبتها الطبية، كتب الأحياء الدقيقة إضافة لكتب التشريح مع كتب طبية أخرى كونت برجا على طاولتها، تقدم منها لتشرح له الفكرة، هي لا تريد أن تذهب ذكريات أثمن من كل شيء مع هبوب الرياح، لذلك ستصنع قلما يوضع به عينة من الحمض النووي الخاص بالمريض إضافة لجذع من خلية الذاكرة الموجودة بالدماغ ليكون لدينا نسخة مبسطة من الذاكرة في قلم، لكن العجيب في هذا القلم ليس حفظه للذكريات بل كونه يستعرضها كتصوير فيديو! ما إن تقوم بتشبيكه بالتلفاز سيبدأ بعرض تلك الذكريات كالفلم وهكذا سنحفظ الذكريات العزيزة على قلوبنا من أن يمحيها الوقت.

هي تعلم أن النسيان امر حتمي في تكوين الإنسان، لكن أن يكون نسيانه مرض يجبره على محو كل شيء، فهذا أمر مؤلم، تخيل أن تنهض يوما لا تدري من أنت وأين أنت، أن تخرج لأطفالك منكرا هويتهم ومتعجبا من وجودهم، تخيل أن تمشي في الشارع ذاهبا لمحل البقالة رغبة في التبضع، وفجأة في منتصف الطريق تنسى لم خرجت؟ وأين هي وجهتك؟ بل أين هو منزلك حتى؟ أليس ذلك محطما ومرعبا؟ أن يسألك الجميع وأنت لا تدري من أنت، أو حتى ما الذي ستجيبه به؟

هذا الألم لن يشعر به الكثير، أن يحاول أبناؤك وسط دموعهم لتذكيرك بأبسط ذكرى، لتذكيرك بأنهم أبناؤك من لحمك ودمك، وأنت تنظر لهم بملامح فارغة لا تحمل أي شعور تجاه كلماتهم، وربما تنكرهم بطريقة أقسى، ذلك ما لا أريد من أحد أن يقاسيه، وهذا ما سنعمل على علاجه سويا كما أنني أريد منك خدمة واحدة فقط.

أومأ لها الطبيب بحيرة لتكمل طلبها واضعة عينيها بعينيه، ـريد منك أن تكمل الاختراع حتى وإن نسيته، أريدك أن تساعد غيري حتى وإن لم يساعدني اختراعي، وأرجوك لا تنسني، فمادام هناك ولو شخص واحد يذكرني سأشعر بالراحة والسعادة ولو لم أذكره.

تلك الكلمات أثارت عبرات الطبيب فنزلت دموعه بغير إرادة منه، إنها تحاول مساعدة الجميع بغض النظر عن معاناتها، فضلت أن تمد يد العون لأشخاص تخلو عنها في أشد الأوقات.

أمسك يديها وشابك أصابعهما ليقدم لها وعدا قطعه على نفسه ملزما إياها بالوفاء بهذا الوعد مهما كلفه الأمر، بعد أن رأت الصدق في عينيه، ابتسمت ثم اعتذرت منه متأسفة قبل أن تخطئ، تساءل عن سبب اعتذارها له فأجابته بما أضاق صدره أكثر، لقد اعتذرت لأنها تخاف أن تستيقظ وقد نسته ونست وعده لها.

بدأ بالعمل معها بعد أن زاد حماسه وإصراره على إتمام الاختراع لأجلها أولا ثم للعالم ثانيا، يدرك مكانة والدتها وشقيقها عندها، لذلك عزم على ألا تضيع تلك الذكرى المهمة لها.

بدأ العمل منذ أسبوع، الأدوية كانت تخفف حالتها لكنها لا تزال تنسى، لذلك كان معظم الوقت يطلب منها أن تسجل فقط ذكرياتها.

بعد ستة شهور تدهورت حالتها كثيرا، الدواء لم يعد ينفع، لكنه لم ييأس.

وفي ليلة باردة ممطرة دقت عقارب الساعة مشيرة الى الثانية عشر منتصف الليل، وأثناء عمله في غرفة معيشتها دخلت عليه وجلست بجانبه وعندما استشعر هدوئها نظر ناحيتها يرغب منها أن تبوح بما يشغلها، لحظات صمت يكسرها صوت أنفاسهما، باحت له بما أرهق نومها وأثقل قلبها مثيرة دهشة الطبيب بما نطقت به، هي الآن تطلب منه أن يقوم بتجربة الاختبار عليها، وذلك يعني أنها ستعرض نفسها لخطر أخذ عينة من مكان حساس كالدماغ فقط لاختراع مازال العمل عليه جاريا ؟؟!

هما يأملان نجاحه صحيح لكن ذلك لا يعني أنه اكتمل لتجربته، وبعد محاولات عديدة منه لتعدل عن قرارها أقنعته بكون ذاكرتها لن تبقى لوقت أطول وأنهم يجب أن يأخذوا العينة ويجمدوها إلى أن ينتهي الاختراع ويجربها، وإن لم تنجح فليتذكرها هو كما طلبت منه، وليضع كل قصتها في كتاب لعل غيرها يقدر ذكرياته ويعتز بها.

كلماتها لم تخلو من دموعها، فالأمر مؤلم وخطير، غير كونه حساس ومرهق للقلب، هل ستنسى حقا أعز اثنين على قلبها؟ هل سينتهي أمرهم كورقة شجرة سقطت من فرعها في الربيع تنظر لبقية الأشجار مزهرة ومتألقة، بينما هي تسقط بهدوء تأرجحها الرياح إلى أن تلامس الأرض وينال الجفاف منها، أو حتى يتغذى عليها أحدهم أو يدوسها، لن ينظر لها أحد، جل التركيز والاهتمام سيذهب للشجرة فقط.

غزت تلك الأفكار السوداوية ذهنها لتتنهد بتعب، بعد عناء طويل من الإقناع اقتنع الطبيب بإقامة العملية الجراحية لها.

يوم العملية ابتسمت له وهي على السرير يدفعونها لغرفة التخدير وعينيها لا تفارق الطبيب تبتسم له، تحاول تهدئته، وبث الاطمئنان لقلبه، متجاهلة فكرة خطورة العملية وصعوبتها، حرصت على إسعاد الشخص الوحيد الذي استمع لها بينما البقية غطوا آذانهم إعراضا عنها، تذكرت بأنه لم يكن صديقها كما ادعى سابقا أثناء لقائهما في العيادة، هو كان من اختاره فؤادها شريكا له، لكن القدر حال بينهما، كانا قلبا واحدا أجبرته الأيام أن ينبض في جسدين، وفي لقائهما الأول بعد سنوات من الفراق كانت قد أنكرت هويته وما يحملانه تجاه بعضهما من حب.

وبالرغم من ألمه ومعرفته بأن محبوبته هي التي تقف أمامه، إلا أنه قدر ظروفها ومعاناتها وقرر مشاركتها آلامها على أن يزيدها ألما بذكراهما. كان يراقبها وهي تكتب ما تتذكره بفضول، يرغب فقط أن يرى ذكرى من ماضيهما معا ولو حتى لحظة من لحظاتهما، لكنها فقط كانت تذكر ذكرياتها مع والدتها وشقيقها متجاهلة قلبه الذي تحطم للمرة الثالثة.

تذكرته بعد فوات الأوان، أثناء دراستهما للاختراع معا كانت ترى لمعة عينيه السابقة، كان يتحدث بذات الشغف يحاول يبذل قصارى جهده كما عهدته مجدا ووفيا، كانت تراه يختلس النظر لما تكتب، لذلك تعمدت عدم ذكره حتى لا يتألم أكثر إن فقدت جميع ذكرياتها، وأكملت مدعية نكرانها لهويته على الرغم من ألمها هي الأخرى، كونها لا تستطيع أن ترتمي بأحضانه لتبكي على صدره كالسابق، ناثرة دموعها وهمها ليقوم هو بالمسح على ظهرها مطمئنا إياها، ويقوم بالمزاح معها لتضحك وتنسى ما اعتراها من هم. وها هي الآن تقوم بذلك من أجله، لا تبرح عيناها مبتسمة هادئة بثت بداخله شعور الأمان والمحبة الذي افتقده منذ رحيلها، مازال قلبه ينبض لها وتعظيما لهذا الحب، لن يخذلها وسيحاول قدر الإمكان مساعدتها وتنفيذ وعده مهما كلفه الأمر.

أغمضت عينها تحت تأثير المخدر، وهمست بكلمة استطاع سماعها لكنه من صدمته أنكرها، اعترفت بحبها له وكأنها تودعه بكلمة أحبك.

انتهت العملية بعد تسع ساعات من العمل وما إن أنهاها حتى وضع رأسه بين كفيه متعبا ومرهقا، دموعه أخذت مجراها على وجنتيه، كلماتها تدور في باله منذ بداية العملية، وضعيته الآن جعلته يتخيل عندما أخبرته "ماذا لو كان راسك بين يديك؟" ابتسم على أسلوبها في الحديث وتشبيهاتها الغريبة يؤلمه نسيانها له لكنه سعيد لأنه يتذكرها.

مضت الأيام وهي في غيبوبة. أسبوع يجر أخيه ومازالت لم تستيقظ.

نفذ ما أمرته به وجمد العينة التي أخذها منها، ولكنه لم يبرح جانبها يتفقد مؤشراتها الحيوية ويعمل عندها في الغرفة، يناقشها كما لو كانت ترد عليه، ينام على طرف سريرها واضعا كفها الصغير بين يديه، يقبله قبل نومه وعند استيقاظه يتحدث معها.

وبعد ثلاثة سنوات أنهى الاختراع وقام بوضع العينة المأخوذة منها وتجربتها، دموعه لم تبرح عينيه متذكرا يوم العملية واعترافها بحبه في اللحظة الأخيرة، دموعه تحكي الكثير رغم صمت شفتيه، متألم ويكتم ألمه في صدره، مازال عهده الذي قطعه على نفسه لها يشحنه بالطاقة للإكمال، قام بتشغيل الجهاز وشبكه بالتلفاز في غرفتها يريدها أن تشهد على نجاح الاختراع أو فشله بنفسها، حتى ولو لم تظهر أي تعبير جسدي، هو واثق من رغبتها في رؤية فكرتها تصبح واقعا ملموسا.

بدأ بتشغيله عن طريق الكتابة به ليعمل، وما إن عمل حتى ملأ الغرفة صوت ضحكات صادر من التلفاز، رفع عينيه ليتفاجأ بعمل الجهاز، لكن أكثر ما فاجأه كان ما يعرض في التلفاز من ذكرى، فما يراه الآن ليس سوى ذكرياتهما معا أيام الدراسة، وأثناء خروجهما وضحكاتهما ولعبهما حتى لحظة بكائها عند قبر والدتها وشقيقها، وهو كان بجانبها يساندها ويحتضنها، كل ما رآه جعل من صوت شهقاته تتعالى، وبكى كما لم يبك من قبل، آلمه قلبه بشدة، هي أرادت أن تتذكره هو، لذلك سجلت كل ذكريات عائلتها على الورق.

التلفاز مازال يعرض حتى لحظات لقائهما في العيادة، وعملهما على الاختراع، هو يرى الأمور من منظورها.

دموعه لم تتوقف، نظر ناحيتها على السرير فوجدها تبتسم وخط دموعها مرسوم على خديها، تقدم من السرير بلهفة فها هي تتحرك بعد نومها ثلاث سنوات، فتحت جفنيها ناظرة له ثم ابتسمت بوجهه مجددا، كلماتها جمدت الدم في عروقه "شكرا لك على منحي ذكريات لا تقدر بثمن وأعتذر على إيذاء قلبك الذي أحببته منذ زمن، أنا أحبك بشدة، لكن وقت الوداع قد حان، لا تقلق، سأكون دائما بجانبك هذه المرة، قلب واحد وجسد واحد". انتهت تلك الكلمات بسقوط يدها واستواء نبض قلبها المتعرج، انتهت أنفاسها في هذه الحياة لتدفن مع ذكراها الأعز على قلبها.

دفن قلب الطبيب ذلك اليوم بجانب محبوبته، ود لو رافقها لكنه مجبر على إكمال مطلبها الأخير، وها هو ينفذ عهده لها. عشر سنوات ومازال اختراعهما متصدرا جميع الصحف والمواقع، عشر سنوات وهو يزور قبرها كل يوم يتحدث معها عن إنجازهم الذي نالوه. المبيعات حققت نجاحا باهرا وذلك إن دل سيدل على أن الكثير كانوا يحتاجونه حقا.

في الخامس عشر من نوفمبر لعام ألفين وثلاثين وُجد الطبيب مفارقا للحياة بجانب قبر محبوبته، وفي يده القلم الذي يحمل ذكراها. دفن بجانبها وأخذ القلم والأوراق التي كانت في مكتبه لتتصدر السينما قصتهما في فيلم حمل الكثير بداخله، ونشر الكتاب الذي حمل معانتهما.

فلم ينسهما أحد رغم جهل الكثير عنهم، وهذه كانت آخر أمنيات مريضة الزهايمر (رأسك بين يديك) هو الاختراع الذي أحدث قنبلة في عالم التطور والتقدم.



صالحة القحطاني

123 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل