شعار مداد.png

رسالتان

هل يختفي شعاع الشمس؟ فأنا لا ضوء عندي الآن! أبدو كقمر، فشعاعي يخفت شيئا فشيئًا حتى ينطفئ، لكن.. لم أختفِ، أنا بقيتُ.

مازلتُ شمسًا، لكنها لا تضيء، شمسٌ حبست أشعتها داخلها ثم انطفأت..

تسرع حُور نحو الطابق الأسفل أو إلى (العالم السفلي) كما تسميه، ثمَّ تخرجُ لجامعتها في الساعة السابعةِ صباحًا.

في الطريق، تفتح عينيها، تنظر إلى العالم بعينين واسعتين، لربما كان اليوم أسعد؟

تحاول أن تتفاءل بالفكرة، فتُملي على نفسها: (أحتسي القهوة، أجلسُ وحدي في أبعد مكان.. ) وتُسائِل نفسها: ( إلى ماذا سأستمع ؟)

تصل، تتحاملُ على نفسها بأن تنزل، تبدو مرهقةً، لو أنها لم تحضر أكان الأمرُ أفضل؟ تنزِل ببطء، تدخلُ للجامعة، تنظرُ إليها، ترفع عينيها إلى السماء وتسألُ نفسها، هل يبدو العالم خاليًا إلى هذا الحد؟ لا ترى شيئا، لا تكترثْ فالناس عدمٌ هنا، وأمرهم لا يهم!

في دوَّامةِ الصمت تكملُ يومها، تبدأ المحاضرة، تنتهي، تسائل نفسها وتستعجب، يالسطحية الأشياءِ هنا!.. الوقت بطيء جدًا، يكادُ لا يمر.. والناس حولها مازالوا يتحدثون!

تُلقي نظرة أخرى فتراهم يضحكون.. فتتعجب أكثر!

ثمَّ تعودُ إلى المنزل، مثقلة.

تكتبُ رسالة:

"دخلت إلى عالمي أشياء مبعثرة، فدفنتها في صدري، دسست كل مبعثرٍ داخلي، أفرغته كاملًا، ثم شكلتُ سحابة، وأخرجتها خارجًا لكي تمطر خارج أرضي، أنا الآن جدباء، ولا أريد أن أمطر، لا أريد رائحة المطر، أريد أن أنام، أن تنام عني الدنيا وحسب، أنا لا أريد أن أموت، لكنني أريد أن تبقى أجنحة الموتى معلقةً فيَّ! حتى إذا ما رغبتُ الهروب من عالمِ الأحياءِ، هربت، ثمَّ أعود متى ما عادت الحياة إلى صدري!

إن الحياة تعود أحيانا، لكنها مصمتة! لقد اعتدت وتسامحتُ مع فكرة الحياة داخل الأحجارِ!

إن العيش داخل حجر ليس فكرةً سيئة، فعلى الأقل أنت تملك مكانًا يؤويك، بدلًا من اللامكان، ثم إنَّك تقاوم! "

تغلقُ الدفتر، تحمل الرسالة، وتتجهُ نحو الغرفة الصغيرة في الطابقِ العلوي، الباب مغلق، محفورٌ عليه صورةٌ لعينٍ مغلقة! تتحسسها بيديها، وتحدِّث نفسها "لو أنها مفتوحةٌ لدخلت! " تُدخل الرسالةَ تحتَ الباب.. وتنزل.. لم تتجرأ أن تفتحه، وأن ترى ماذا يخبئ خلفه! أو ماذا سيحدث! تتذكر أنه قيلَ لها يومًا، إنَّ المكانَ هنا خالٍ، فلا تدخلي.

ولكن، تحدِّثُ نفسها (هذا ما أحتاجه، مكانٌ مقفر، مغلقُ العينين، فأنا لا أحتاجُ لشيءٍ يَرى، ثمَّ إنه يقبل نفوذ الأشياءِ إليه، و لا يرد! ملاذٌ آمنٌ للرسالة! ). تُدخلُ رسالتها تحت الباب ثم تترك المكان.

في اليوم التالي كتبت..

"أعيشُ في دائرة، تلدغ كل من يحاول الاقتراب، أحيط نفسي بها، وأراقب العالم من خلالها، دائرةٌ فيها تقبر الأشياء، أنا فيها ميتة! لكنني مُتُّ ولم أسمح لأحد بأن يحملَها! أنا أحملها بيدي! أنا وحدي أقرأ التعويذات عليها، وأنا وحدي أملك حقَّ النفوذ منها إليها، متُّ لكنني لم أدفن نفسي، متُّ فكان لي من موتي جناحين، أطير بهما متى شئتُ نحو السماء ! ثم أعود للدائرة."

حملت الرسالة متجهةً نحو الغرفة، نظرت حولها.. مازالت عينُ البابِ مغلقة! تحدِّث نفسها: (هل أُدخل الرسالة الثانية؟ ماذا لو دخلتُ معها؟ ) ثمَّ قررت أن تتجرأ بأن تحاولَ فتحَ الباب.. هزته، ودخلت مع رسالتها، فوجدت الغرفةَ صامتة، نظرت حولها.. لا شيء سوى اللاشيء!

تتفحص المكان أكثر، تنظر خلف البابِ، بلاطٌ زجاجي! و قطعٌ منه مكسورة على الأرض، أشاحت بنظرها.. كانت مرآة قديمة، وقفت أمامها قليلًا تتأمل.. وفي الدقيقة الخامسة لفظها الباب خارجًا مبتسمةً ضاحكة!!

قرأت على الباب.. "في هذه الغرفة الصامتة تتخذُ المشاعرُ شكلًا آخر، وتتبدل فما أن تكونَ سعيدًا حتى تخرج منها بحزن، والعكسُ كذلك.." !!

تعيدُ قراءة العبارة مرةً تلو الأخرى، وتتساءل (كيفَ لم ترها من قبل؟ ) ، دقائقٌ حتى اختفت.. دقيقةٌ إضافية حتى عادت العين، لكنها عادتْ مفتوحة!

أمام البابِ تقف حور، تتأملُ العين المفتوحة وتحدِّثُ نفسها : (لا أتذكر الآن شيئا من أحداثِ المرآة، لكنني بدأتُ أتساءل.. هل تغير المرآة أشكالنا؟ وهل تتبدل مشاعرنا داخل الغُرف؟).

دقيقةٌ أخرى مرت، حتى لفظ الباب صورة، نظرت إلى الصورة وقالت: (هل هذه كانت أنا؟ هل ترانا المرايا؟ ومنذ متى كانت المرايا تلتقطُ الصور!).


بعد الصورة تخرجُ رسالتان:

١-"أنا أيضًا أقاوم، وأرضي هنا بين الجدبِ والمطر، هل أمطرت أرضكِ الآن؟ ".

٢- "لا أعلم ولا أعي تماما، هل أنا مرآة؟ يظن العالمُ أنهم يرون انعكاساتهم في! فينظرون إلي، ولا يعلمون أنني هنا لأكسر الضوء! ثم إنني أسألكِ هل عادت لكِ الحياة؟ ".

الشيماء آل فائع

376 عرض