شعار مداد.png

رُبّ سقوط

1 يلقّبونه "عديم الإحساس" أو "عديم المشاعر" وفي أحيانٍ أخرى "المتبلّد" وعلى الرغم من قوّة هذه الألفاظ إلّا أنّها صحيحة، فهذا ما يبدو عليه عند النظر في عينيه الفارغتين الخاليتين من العمق، أوعند إمعان النظر في وجهه الذي ضمرت عضلاته فهم لا يستخدمها في العبوس ولا في الابتسام ولا في إظهار أي شعور، فهو لا يشعر بأيّ شيء. لا أحد في الحيّ يعرف عنه شيئًا، عن ماضيه، أو ماذا يعمل، عن عمره، أوعائلته. يعيش وحيدًا في غرفةٍ قابعةٍ على سطح أقدم مباني الحيّ، قام باستئجارها منذ خمس سنوات. ومن تلك اللحظة إلى الآن لم يكلّم أحدًا في الحيّ، لم يتفوّه بكلمةٍ واحدة إلّا مع مالك الغرفة عن الإيجار، أو الماء والكهرباء والذي قام بدعوته عدة مرّات إلّا أنّه لم يشأ حتّى أن يسمع. يحاول جاهدًا الابتعاد عن كلّ جيرانه، وعدم الاشتراك معهم في أيٍّ من أفراحهم أوأحزانهم، يختار الأوقات التي يندر فيها وجودهم للعبور...إلى أن اعتادوا الأمر وأصبحوا يدعونه وشأنه ولكنّ ذلك مايزال يزعجهم، فالألفة بين الأشخاص هي ما يتميّز بها حيّهم، ولم يكن معهم لفترةٍ مؤقتة، فخمس سنوات بينهم كفيلة بجعله يمتزج معهم ومع عاداتهم ولكنّه لم يفعل، ولا يبدو أنّه سيفعل. يستيقظ كلّ يوم في الساعة والدقيقة ذاتها وكأنّ لديه منبهًا في عقله، يأكل كلّ يومٍ الطعام ذاته ويغتسل، ثمّ يرتدي ثيابه -التي لا يغيّرها حتّى تهترئ- ويتّجه إلى العمل. يحلّ المساء فيعود إلى غرفته في نفس الساعة، ماشيًا بخطواته الصامته ذاتها، لا يتلفّت يمنةً ولا شمالًا، يصعد الأدراج بالصمت نفسه، ويرقبه أطفال الحيّ ليتحدّوا بعضهم فيما إن كان سيطفئ نور الغرفة الأصفر الوحيد في الدقيقة ذاتها أم سينتظر واحدةً أو اثنتين. لم يشأ أن يقحم أحدًا في حياته إلّا أنّه أمسى حديث الجميع من حوله؛ فمنهم من شعر بالأسى على حاله ومنهم من غضب من بروده الشديد، بينما تمنّى آخرون لو يستطيعون مساعدته وشعر كثيرٌ منهم بالفضول الشديد من غموضه الساحق، أرادوا ألّا يتركوه وشأنه، أرادوا أن يرموا صخورًا في بركة عقله الهامدة علّها ترتجف حتّى يروا ماذا سيخرج لهم.

2 عاد من عمله كما يفعل كلّ يوم، شاقًّا طريقه بين حبّات المطر التي كانت تضربه بعنف وكأنّها عقوبةٌ سماويةٌ لتبلّده الشديد، إلّا أنّه يجهل تمامًا أنّه لن يكون ككلّ يوم، فهناك ما ينتظره في الغرفة.

فتح بابها وإذا بقطةٍ سوداء في الداخل رآها ولكنّه بقي واقفًا مكانه بلا حراك، فخافت وقفزت نحو وجهه لتخدشه، فرجع للوراء دون الانتباه لخطواته فانزلق على الدرجات المبتلّة وارتطم رأسه بحافة الدرج ففقد وعيه.

وعندما أفاق، وجد نفسه مكبّلًا على كرسيّ، على رأس مائدة كبيرة مع أناس لم يرهم من قبل، كلٌّ في كرسيّه، إلّا أنّهم لم يكونوا مكبّلين مثله، بل كانوا يتبادلون أطراف الحديث، وعندما فتح عينيه بدأ الذي كان يجلس على رأس المائدة في الجهة المقابلة له بالكلام:

"أرجو من الجميع الهدوء، لقد أفاق صديقنا"

رشقه الجميع بنظرات من التأمّل والترقّب، ولكنّه ظلّ محدّقًا بهم بعينيه الفارغتين.

"لا نحتاج منك تعريفًا، فأنتَ غنيٌّ عن التعريف بيننا، أمّا أنا فيسمونني الحياد. وسنقوم جميعنا بالتحدّث أمّا أنت فلا نريد منك سوى الاستماع ولن تستطيع أن تتحدّث فقد تكفّلنا بذلك" فلقد غطّوا فمه بشريط لاصق ليمنعوه من التحدّث.

" لقد قمتَ بنبذ أصدقائي منذ زمن بعيد بعيد، وها هم اليوم يحتجّون على ذلك؟ قدموا إليّ، علّي أحكم بينكم، أفلا تحتاج الغضب؟" أشار إلى أحدهم على يمينه.

"وكيف لك أن تعيش دون الحزن" أشار إلى من كان يجلس بعد الغضب.

"ماذا عن الأمل، والكره والخوف" مشيرًا إلى من يليه حتّى آخر كرسيّ.

"حسنًا لا تقل لي أنّك لم تفرح يومًا" أشار إلى من يجلس على يساره ثم إلى الذي يليه حتى آخر كرسيّ" ألم تيأس، وماذا عن الألم، والحبّ والقلق"

"يتساءلون كيف لك أن تعيش، أتسمّي ما تعيشه حياةً من دونهم، ولتعلم أنّ من حرصهم الزائد على أمثالك، اجتمعوا اليوم ليساعدوك في الاعتراف بهم، وهناك آخرون كثر إلّا أنّني استجبت دعوة هؤلاء فقط. هل من أحد يريد أن يتحدّث؟"

بدأ الخوف كلامه مرتعدًا: "كان بإمكاني أن أكون معه اليوم، كان بإمكاني أن أشحذ ردود أفعاله، وأعلّمه أنّي ضروريّ لأحذّره من مخاطر الحياة فيمضي فيها بأمان أكبر"

تبعه الغضب بعد أن ضرب قبضته على طاولة الطعام مفزعًا الجميع عدا المتبلّد: "حاولت أيضًا مساعدته في كثير من الأوقات ولكنّه لم يلحظ حتّى وجودي. كيف له أن يسمع الناس تتحدّث عنه وتسيء إليه، لا بل يطلقون عليه أبغض الألقاب وفي كثير من الأحيان يحاولون أذيته، إلّا أنّه يبقى صامتًا كأنّه لم يسمع... كان بوسعي أن أصنع له كيانًا يليق به، أن أجعل من حوله يحترمونه ويحترمون حدوده ولكنّه رفض ذلك".

الفرح: "لم تكونا أنتما فقط، فلقد عشت حياتي وأنا أحاول لفت نظره إليّ، لعلّه يفكّر بما قد يفرحه، تعبت وأنا أطرق باب عقله الموصد، وعجزت عن رسم ابتسامة واحد على شفتيه الجافتين، أرّقني برودُه، وللمرّة الأولى في حياتي استعنت بصديقي الحزن"

ردّ اليأس: "بقينا نتشاجر أنا والأمل لساعات أمام ناظريه نحاول مساعدته في كلّ مرة يخسر شيئًا، فأحاول الجلوس معه، فيقول لي الأمل أنّه يحتاج إليه في أوقاتٍ كهذه، فيحاول هو عوضًا عنّي، ولكنّه يصمّ أذنه عن الأمل كما يصمّها عنّي بالضبط فلم أعد أدري ما يريده بالفعل..."

ومن ثمّ الحبّ: "أشفق على قلبه، ولقد ظننتُ أنّ صديقي الكره قد سيطر على قلبه تمامًا ولكنّني ظلمته، فلم يكن الكره من أعمى قلبه، ولم أكن أنا من ملأه، لا أدري ما هو حقًّا لذلك أشفق عليه فعلًا، واحسرتاه على قلبٍ يملؤه اللاشيء...ولا يرضى بأن يدخله شيء...."

وتبعه الكره: "أنا أكرهك أيّها الأخرق الغبي"

أجاب الحياد بدلًا من عديم المشاعر: "أرى أنّه يدّعي الاستقرار بدونكم".

فردّ الغضب: "إنّه هراء! فلو استخدمنا في الوقت الصحيح، ذاك هو الاستقرار بعينه... ولكنّه غبي...فلو لم يكن غبيًّا لما رفضَنا وادّعى بأنّه مستقرٌّ بتبلّده هذا، ولو أنّه ذكيٌّ بما يكفي لرحّب بنا، وفكّر ونظّم وجودنا... فلو أنّه لم يستقر بعد ذلك لكنّا تحاورنا وأعدنا التوزان فيما بيننا وجعلناه يشعر بالاستقرار من جديد"

تعالت أصواتهم في الغرفة لاتفاقهم مع الغضب، ولكنّ الحياد أعاد الهدوء مرّة أخرى.

صرخ الغضب ورمق عديم المشاعر بعنين تعتليهما عروق حمراء مخيفة: "يجب عليك أن تغضب عندما ينعتك أحدهم بالغبيّ، ألم يحن الوقت لتستدعيني، ألم يحن الوقت لأن تغضب أيّها الأحمق"

حاول الحياد تهدئته، ولكنّه نهض من مكانه واتّجه نحو عديم المشاعر، الذي لم يتغيّر شيءٌ في الفراغ الذي ملء عينيه.

"دعني أدخل في عقلك، أنتَ تحتاجني، دعني أدخل وأملأ رأسك الفارغ"

حاول الغضب الدخول فيه، دخل ولكنّه ارتدّ نحو الأرض... عاود الدخول مرة أخرى في عقله، ولكنّ عقله الموصد نبذه من جديد، حتّى نجح أخيرًا في المرّة الثالثة. تشجّع الآخرون فنهض الألم، وتبعه الخوف والقلق والكره... دخل واحدهم تلو الآخر في رأسه، أخذت المشاعر بالظهور على وجهه، فحاول أن يتحرّك، لينبذها وحاول أن يتكلّم، لكنّه لم يستطع...انتفض الباقون؛ الأمل والحبّ والفرح والحزن واليأس وأخذوا يدخلون رأسه عنوة... صار يتخبّط في كرسيّه بسبب تكالبهم عليه، يحاول أن يصرخ ولكنّه لم يقدر. نهض الحياد وفتح باب الغرفة ليدخل سيلٌ آخر من المشاعر التي كانت تترقّب اللحظة التي تستطيع الدخول في رأسه.

حاول أن يقاوم ذلك السيل الهائج ولكنّهم كانوا يفوقونه قوّةً وعددًا. حاول أن يغمض عينيه ويفتحهما علّه يخرج ممّا ظنّ أنّه كابوس مؤلم.... ولكنّه مايزال هناك، أغمض عينيه مرة ثانية وثالثة ورابعة، ولم تفلح إحداهن في إخراجه من ذاك المكان.

إنّه يشعر بالألم وبالغضب واليأس وكلّ شيء في آن واحد، وكلّ ذلك كان يفوق قدرته على التحمّل فهو لم يعهد هذا الكمّ من المشاعر، بل لم يشعر بشيء قط. فكيف السبيل إلى ذلك إذًا؟

3

تسلّل الأمل من بين كلّ تلك المشاعر المتخبّطة داخله، ووقف أمام عينيه المبتلّتين ثم انحنى وهمس في أذنه: "لا تيأس حاول مجدّدًا، نحن جميعًا معك"

ثم عاد ودخل في عقله.

انسدل جفناه المثقلان بهدوء... وظلّ كذلك للحظات، محاولًا استيعاب جلّ ما في عقله، ثمّ فتح عينيه من جديد.

وإذا به طريح الفراش مضمّدًا في غرفةٍ لم يراها من قبل، ومالك غرفته يجلس بقربه يتأمّل عينيه اللتين تدمعان لأول مرّة بعد أن رحل الفراغ منهما.

"لقد وددت أن أنتظرك حتّى تصحو بعد أن سقطتَ وفقدتَ الوعي منذ أيّام، ولو فتحت ذاك الباب ستجد جميع مَن في الحي بانتظارك أيضًا ليطمئنّوا عليك"

ابتسم عديم المشاعر ذاك ابتسامةً دافئة لم يعهدها فمه من قبل، وقال:

"أرجو أن تخبرهم أنّي بخير".

عفراء الزعبي

69 عرض