شعار مداد.png

زرقة ذاكرة

٠٠ولدَتها الأرضُ، فأثمرت.

قطفتْ مودة من الشجرةِ أوراقًا، فشجرةُ الجنةِ ما زالت تثمرُ في أرضها، فهي تدركُ أنها المالكةُ للأرض، فقد كانت مفاتيحها بين يديها. غرفت من مياهِ الأرض وخلطتها بأوراقِ الجنة ثم نقشت على كفي ابنتها رموزًا من حروف. نقشتها عِزة. تكللت الأشياءُ حولها بها، السعادة، والفرحة، والأحزان، كلها معانٍ تنقشها من خريطة الأزمنة والأمكنة، تعرفها كما تعرف نفسها. وهي الآن تحملها معًا.

في يدي عزة تحكي الحياة للحياة. أصبحت هادئة، لا ساكنة. أخبرتها جدتها مودة أنها ستحمل هذه المعاني معها. تساقطت من كفيها رموز على الأشياءِ حولها ولها، كانت كلما مسحت على شيء جامد، سالَت منه كلمات. تتساقط الكلمات من كفيها.

كلماتها إشارة وقصتها تُسمع من بطن الأرض. زادت لها مودةُ في أصابعها نقشاتٍ من أساور، ورسمت في بطن الكف دائرة ثم قالت لها : تلك أدلةٌ لأسرارِ الحياة ! تورثُها لكِ.. ثم تضع لها يدها اليسرى ساعة.

تحسست يدها النقشة في يدها اليسرى، وصلت للأصبع الأخيرة، تتذكر: <<تلك أدلة أسرار الحياة>> فتتحسس الساعة، وما عليها من أرقام منقوشة، تحفظها، وقبلها ترتل الآيات والسور المنزلة من السماء، حتى نطقت، حاملةً الأسماءَ للرواية. شعرت أن ذاكرتها تمتلئ، يديها امتلأتا. أصبحت تفيضُ في كل الطرقات التي تمشي فيها، الرموز تتساقط، كأوراقٍ من الجنةِ على أرضنا.

تسير في الأرض، تجدُ في طريقها جثتان تتكلمان، لكن نبرتهما خاطئة. كانا يهذيان، ثم يلفظان أنفاسهما الأخيرة. أخذت تمسحُ على رأسيهما واحدًا تلو الآخر، ثم تنظر إلى يديه، لم يكن في يديه شيء، كان خاليًا، تمد يديها، فتنتثر على بشرتهِ قصائد، لم تدفنهما الجثتين، لربما قامت لهما قائمة، لربما شعرا فعاشا، أو لربما كانت لهما روحٌ عائشة هنا. هكذا فكرت عِزة.

يديها محملة برموز، تتناثر في الطرقات، تعويذتها السورة، فلا تتوقف، تمشي في الأرض، معها الخريطة، يديها. تحفر التربة، تنتشل الجمجمة من الأرض، هل هذه التي حكت لها عنها جدتها؟ تحملها، تذهب بها إلى جدتها، جامدةٌ كانت، لا تسيل. تمسكها الجدة وتضعها في النار، لا تحترق، تغلي الجمجمة حرارةً، تصب المادة السائلة منها في ريشةِ حمامة، ثم تكتب.

قالت لابنتها وهي تكتب: إن الأشياء السامية -التي كانت تتسامى- تبخرت دون أن تسيل، لذا فإنني غلبتها جمجمةً حتى سالت زرقتها. لم تتبخر، مازالت هنا. قالتها وهي تكتبها <<ولادة جديدة للكلمة من كلمتها القديمة التي قالت، من بطن أرضها. لتعود الأرض آمنة. كانت هي الحقيقية فتحررت لغة الأرض.>>



الشيماء آل فائع

10 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل