شعار مداد.png

عامل المناجم

فتحت الصحيفة لتقرأ خبرًا لم تتوقعه يومًا...


الدقائق تمضي كأنها سنين، خفوت مصباح الإنارة وسطوعه مجددًا بحركة متواترة، كان أشبه بالتنويم المغناطيسي، على حين غرة أجدني أحدق فيه مباشرة وأتأرجح على نفس الوتيرة بأعين مثقلة، الأمر خارج عن إرادتي تمامًا...


ربما أنا على حافة انهيار عصبي؟ بالتأكيد سأكون، أعني من لن يكون؟ نعمل في المناجم طويلًا، نتعرض لخطر الموت سحقًا تحت الركام، اختناقًا بالسموم، وجوعًا، ومع ذلك الأجر ضئيل للغاية.. لكن ما الذي عساه يفعله متسول مثلي؟ منذ أن الدراسة ليست ثوبي، تركتها لشقيقي (ماركوس) وتوليت مهمة جمع المال للبقاء على قيد الحياة، بقيت عل حالي ثوان معدودة قبل أن ينادي أحدهم بقليل من الضجر:


"الرقم 11... الرقم 11"

كان صاحب الخزنة والمسؤول عن صرف رواتب العمالة، انفصلت عن اتصالي بذلك المصباح المحتضر، وألقيت نظرة على قصاصة الورق المجعدة في باطن كفي، إنه أنا.

تقدمت ناحية مكتب المنادي حيث كان يعد مرتبي وإلى جانبه جلس زميله المنشغل في قراءة الصحيفة واحتساء القهوة، أجبت:

-"الرقم 11 هنا، إدوارد فان دييغر، عامل في المنا-".

قطع جملتي سعال ذلك الزميل مختنقًا بقهوته، والتي بصق نصفها على قميصه المهندم ونصفها الأخر على الصحيفة بين يديه. ليرفع رأسه بسرعة وتتسع عيناه في ذهول. عاود النظر في الصحيفة والتحديق بي مرارًا، وفي كل مرة كان يزداد ذهولًا.

ليقوم فجأة غير مكترث للقهوة المنسالة على ذقنه، يطوي الجريدة ويقترب نحوي لافًا ذراعه حول كتفي وبنبرة ودية لم أفهم مغزاها هتف:


-"صاحبي إد.. صاحبي إد، تعال معي قليلًا فلنتحدث".

لم استوعب شيئًا، أخذت مرتبي من المسؤول سريعًا، وجُررت خارج المبنى بواسطة الصاحب الجديد، وهناك وبعد أن تأكد هذا الغريب من أن لا أحد في الجوار، أمسك بكتفي وبدأ يواسيني ويعدني أن معانتي ستنتهي وسيلُم شملي بعائلتي، ليتضح أنه سوء فهم كبير.

أبعدت يده عن كتفي وأجبت بهدوء وقليل من الغضب أحاول عدم إظهاره:


-"سيدي المحترم هنالك سوء فهم، لا أملك عائلة عدا أخي الصغير في الميتم، أنا لست مفقودًا ولم قد يبحث عني أحد على أي حال؟ أنت مخطئ بالتأكيد، اعذرني".

انهيت كلامي لأسير مبتعدًا، لكنه قبض على كفي بقوة ورفع الصحيفة في وجهي هاتفًا:

-"لكنه حتمًا أنت، ذات الاسم وذات الوجه، إدوارد فان دييغر!".

استهجنت إصراره وبدأت حقًا اشتعل غضبًا، وقبل أن أهم بالصياح فيه وأخسر وظيفتي كعامل منجم بائس، رأيت صورتي تترأس عمودًا في الجريدة!

هو لم يكن يمزح؟ هل أصبحت من المشاهير؟ منذ متى؟ ماذا فعلت؟ تناولتها منه سريعًا، ورحت أقرأ العنوان:


-"مفقود: إدوارد فان دييغير

مكافأة مئة قطعة ذهبية، لمن يجد وريث عائلة دييغير".


هذا مستحيل، هل يمكن أن يتكرر ذات الشخص مرتان؟ هذا الذي في الصورة هو حتمًا أنا وليس أنا، هذه الأناقة وهذه الملابس في الصورة، لن أحصل على مثلها قط في حياتي!

أتبعت قراءة المقال، وهنا كانت صدمتي الكبرى:


-"أعلن رئيس عائلة دييغير، السير فان عن توفير مكافأة لم يجد ابنه والوريث الشرعي للعائلة...".

هل أثرت سموم المناجم على عقلي؟ هذا والدي... والدي حي يرزق ويبحث عني؟ تحسست الصورة الصغيرة له، كان أكبر سنًا منذ آخر مرة رأيته فيها، مهندم أكثر ويبدو عليه الهيبة والوقار.. هذا حتمًا ضرب من الخيال. كل شيء في دماغي تداخل. هل هذا حقيقي؟ هو حتمًا ليس كذلك، أنا دفنته بيدي! لكن.. لكن إن كانت هنالك فرصة أن أرى والدي مرة أخرى فلن أضيعها، رغم أنه مازال ضربًا من الجنون، أشعر بالغباء لتصديقي شيئًا كهذا، لكن لا بأس.. لا بأس بالمحاولة..


أخبرت هذا الغريب والذي أكاد أرى انعكاس الذهب على عينيه أن يساعدني في العودة لعائلتي المنشودة. وبالفعل فعل، ذهب بي إلى مركز الشرطة ومن هناك انتظرنا قدوم تلك العائلة الخيالية، ودماغي مازال لا يستوعب ما هذا الذي أقدم على فعله؟

لحظات فقط، وأسمع صياح امرأة:

-"إدوارد!، يا إلهي ابني إدوارد!".

التفت ناحياتها، لهتز قلبي، ويبتلع عقلي الصدمة، وبلسان ربطته الأخيرة همست:

-"أمي؟".


تأملتها، لها ذات الوجه لكن أكثر نضارة، وملامح ملائكية، شعر أشقر مسرح بعناية وفستان فيكتوري مرتب. إنها هي ومن المستحيل أن تكون هي، ليست أمي التي عهدتها، قبل أن تنطلي علي الحيلة، اقتربت ومددت كفي متوجسًا نحوها، هل ستختفي كالوهم إن لمستها؟


لم اقترب سوا ملي سنتيمترات قبل أن تفاجئني باحتضان قوي أشعرني معه بحرارة صدرها، لم أكد استسلم لهذا الدافئ حتى بكى فتى يقاربني في السن وربما أكبر قبل و انضم للعناق:

-"أخي إد أنت حي! أنت حي! حمدًا لله!".


حدقت فيه، كان (ماركوس)..

(ماركوس) أكثر نضجًا! ما الذي يحدث هنا؟ ابتعدت عنهم جميعًا، حدقت فيهم، هم عائلتي لكن يستحيل ذلك.. كأنهم من زمن مختلف، أمي وأبي توفيا منذ زمن وماركوس يصغرني سنًا لما يبدو أكبر الآن؟ استهجنت الأمر كثيرًا وما عدت أستطيع التفكير في شيء، تراجعت قليلًا قبل أن أطلق ساقي للريح غير مبال نداءاتهم مكسورة الخاطر خلفي..


جريت بكل ما أوتيت من قوة لأعود للميتم الذي أقيم فيه رفقة أخي، بحثت عنه كالمجنون في كل مكان حتى وجدته أخيرًا في المكتبة غارقًا بين الكتب يذاكر بنهم، (ماركوس) الصغير المحب للعلم هناك.

تنفست الصعداء، وأيقنت أنها كانت مجرد هلوسة، لأضحك على حالي واقترب من أخي، فيرحب بي وأرحب به، ونتبادل الحديث قليلًا قبل أن أشرع بتنظيف كومة الكتب المنتشرة في كل مكان، حتى تقع عيني على عنوان في صفيحة مدفونة بين الكتب:


"-"مفقود: إدوارد فان دييغير

مكافأة مئة قطعة ذهبية، لمن يجد وريث عائلة دييغير".


تملكني الرعب، ولسبب لا أعرفه، ابعدتها بهدوء كي لا يلاحظ (ماركوس)، أي شيء..


يتبع..


روان الفار



7 عرض