شعار مداد.png

غرفة غريبة

ما يزال يرافقها منذ نعومة أظفارها، متشبًّثا بها، لا يفارقها لحظةً واحدة ولا سبيل حقًّا للخلاص منه... لكن ذلك لم يكن يسببّ لها المتاعب فلا هي بحاجة للابتعاد عن البالغين في حياتها الذين يحمونها من كلّ سوء، ولا حتّى القيام بقرارات مصيريّة فقد كانت ما تزال صغيرةً؛ كلّ همّها هو العودة من المدرسة والأكل والنوم واللهو. ولكن مع تقدّمها في السن ودخولها المدرسة المتوسطة والثانويّة بعد ذلك، أصبحت المسؤوليّات تتهاوى وتتكالب عليها فلم تقوَ على تحمّله، فهو يجثو على صدرها يثقلها بهمٍّ يُضاف إلى هموم الحياة الأخرى. فهي تخاف أن تخطو خطوةً نحو المجهول، ولا سبيل لمعرفة الحياة وما نريد من الحياة سوى بالمضي قُدمًا والتعرّض لبعض المخاطر والمشاكل فهي في الغالب ما يُعلّمنا لا بل يكوّننا ويشكّل كياننا الذي نمتاز به عن بعضنا البعض.

كيف تتخلّص من ذلك الخوف إذًا؟ فهي تخاف حتّى أن تصارحه ليبتعد عنها فلم تعد تريده حتّى ولو كان في مرحلة عمريّة معيّنة عونًا لها بطريقةٍ ما، ولكنّها تريد منه أن يدعها وشأنها لتسعى في حياتها وتعرف ما عليها فعله فحتّى اختيار للجامعة التي تودّ ارتيادها في نهاية العام سيكون صعبًا عليها وهو يقيّد أفكارها، حتّى اندثرت مع الكثير ممن اندثرن من أخواتها من قبل.

في يومٍ من الأيام وهي عائدة من المدرسة إلى المنزل والخوف ممسكٌ بيدها بإحكام، فتحت باب المنزل ودخلت وإذا بها في غرفةٍ غريبة لم تكن موجودةً يومًا، مظلمةٍ عدا ضوء أحمرٍ خافتٍ في الوسط، وإذا بالباب يُغلق، وبالخوف يعصر يدها أكثر ويأمر قلبها ليخفق بقوةٍ أكبر وصوتٍ أعلى. وإذا بصوت يحدّثها من داخل الغرفة لم تر وجهًا ولكنّها كانت تسمع ما يقول بوضوح وهو يشرح لها أنّ أمنيتها قد تتحقق في هذه الغرفة والتي تستطيع فيها أن تغيّر ما تشعر به أو تتوقف عن الشعور بشيء ما. لم تجبه، ولكنّ صاحب الصوت استطاع أن يعرف ما تفكّر به فهي تخاف أن تتحدّث والخوف معها؛ يحكم قبضته على كلّ ما فيها، استطاع أن يعرف أنّها تتمنّى منه أن يرحل ويدعها وشأنها لتعيش حياتها كما تريد.

فإذا به يسحب الخوف إليه ويقيّده بعيدًا عنها، وما هي إلا لحظات حتى انزاح الثقل عن صدرها وعقلها وقلبها وكلّ ما فيها. فتلاشت جدران الغرفة والصوت والخوف وكلّ شيء لتجد نفسها في منزلها. تبتسم وتتنفس لأوّل مرة من دون أن تشعر أن أحدهم يتفحّص ذرات الهواء المتجهةِ إلى رئتيها.

بدأت أيّامها تتغيّر شيئًا فشيئًا، وانطلقت تقوم بفعل كلّ ما منعها الخوف من أن تفعله وكان كلّ ما تفلعه يزداد خطورةً يوًما بعد يوم حتى أنّها كادت أن تودي بحياة من يعزّ عليها بسبب تهوّرها الذي أخذ هو الآخر بالازدياد، فلم تعد تفكّر في قراراتها وعواقب اتخاذ قرارٍ معيّن أو فيما إذا كانت تستطيع فعل شيء ما أم لا، بل كان جلّ همّها أن تنطلق، حتى ولو كان ذلك يعني الانطلاق نحو الخطر، حتّى لو كان ذلك يعني أن تلقى حتفها نتيجةً لذلك الانطلاق، وبالفعل حصل ذلك. لقد رحل الخوف ورحلت هي أيضًا، إلّا أنّه كان بإمكانها أن تستفيد منه لا بل تحاوره ويحاورها علّهما يجدان وسيلة للتعايش، فتستفيد منه وتصيّره حذرًا يجعلها تفكّر بعقلانيّة قبل المضي نحو المجهول، فتفعل ما تريد فعله بعد أن ترسم الطريقة المناسبة لها للوصول إلى ما أرادت الوصول إليه دون أن تودي بحياتها وحياة الآخرين ممن تحبّ.



عفراء أسعد الزعبي

8 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل