شعار مداد.png

مسافة أمان


"اتركْ مسافةَ أمان" هذا ما كُتبَ بالخطِ العريضِ في الصفحةِ الأولى على الصحيفةِ اليوميةِ. هل مسافةُ الأمانِ هيَ فقط ما نتركُها بينَنَا وبينَ السيارةِ أمامَنَا كِي لا نتسببَ بحادثٍ يودي بحياتِنا؟ كانَ ذلكَ المقالُ يقولُ إنهُ يجبُ عليكَ تركُ تلكَ المسافةِ لكي تصبحَ قريبًا من أحبائِك لكي تعودَ للبيتِ سالمًا.

لكني أتركُ مسافةَ أمانٍ لكلِ شيء، أنا أتركُ نصفِ الكوبِ فارغًا خوفًا من أن تسيلَ قطرةٌ فأغرقَ في فيضانٍ مفاجئٍ بنكهةِ شايِ التوت.


أنا أتركُ أيضًا مسافةً عندما أكتب، خوفًا من أن تشعرَ حروفِي بالضيقِ فتموتَ خنقًا في حلقِي نظرًا لأني شخصٌ انطوائيٌ يفضلُ الخيالَ على الواقع، كنتُ أيضًا أتركُ مسافةَ الأمانِ هناكَ حيثُ إنني لا أنهي المسلسلَ الدراميَ الذي أتابِعُه، اتركُ حلقةً حلقتانِ لمَ؟ أخافُ أن أموتَ غيظًا فيما الأبطال يعيشون بسعادة.


مسافةُ الأمانِ الأخيرةِ أتركُها في علاقاتِي مع الآخرين، لأني معهم ولستُ معهم، قريبٌ منهم لكي أعرفَ أيَّ قهوةٍ يحبون، وبعيدٌ لدرجةِ أن غيابِي ليومٍ لن يؤثرَ على سيرِ حياتِهم، وعلى عكسِ المقالِ كنتُ لا أعودُ إلى البيتِ أبدًا، كنتُ بعيدًا جدًا عنه، لكنّي عندما أعود، أغلقُ البابَ مرتين، أغلقُ نصفَ النافذةِ وأخلدُ للنومِ في منتصفِ السرير، وأحلمُ نِصْفَ الحُلمِ لأستيقظَ نصفَ الليلِ خوفًا من أن يفوتني الصباح.


مسافةُ الأمانِ كانت عائقي الأول، لأني كنتُ أخشى الاقتراب، أخشى الشدَّةَ وأخشى الامتلاء، أخشى أن أفقدَ الأمانَ كلَّهُ إن اقتربتُ زيادةً عن حدودِ المسافة، أن يكتشفَ أحدٌ أنني أعيشُ بنصفِ روحً وعندها..


قاطعَ تيارُ ذكرياتِي السوداءَ صوتُ آلةِ القهوةِ تُعلنُ امتلاءَ الكوبِ بذلكَ السائلِ الأسودِ، لم آخذْها، خشيتُ أن أُصابَ بصدمةٍ اسمُها هذا الشخصُ تركَ مسافةَ الأمان.


سمية الورثان



للاستماع 🎧

أبل بودكاست

جوجل بودكاست

١٢ مشاهدة

أحدث منشورات

عرض الكل