شعار مداد.png

مصباح السماء


في قريةٍ هادئة، بعيدةٍ عن زخم المدينة وازدحامها، لم تكن تلك الغرفة القابعة على الأطراف هادئةً أيضاً!

كانت غرفةً محكمة الإغلاق، قد نسج العنكبوت بيته على بابها الخشبي، كانت خالية من كل شيء إلا التوهان، الحيرة، الضياع، التشتت، الاضطراب، ورجلٌ يصارع نفسه، يغرق في أوهامه وشكوكه.

يقرأ مئات الكتب، يبحث عن معنى عميق للحياة، يحاول الإجابة عن أسئلته المحيّرة: ما هذا؟ ولماذا أنا هنا؟ ولماذا يحدث لي هذا؟ وإلى أين؟ .. توهمات وخواطر شتى، وأغلالٌ تُكبِّل هذا العقل الضعيف الجائر!

تطرق أمه المسكينة "ليلى" عليه الباب بشدة كل يوم: ألم تنته من عزلتك بعد يا خبّاب؟

يحزم خبّاب أمتعته، متمتماً في نفسه: صبرت كثيراً، ولن أرى خيراً، ولن أهنأ بعيش لو بقيت لحظة بعد الآن في هذه القرية البائسة!

يخرج مسرعاً في ليل، في ظلام دامسٍ يكسوه الهدوء، يشعر بأن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، ويجد نفسه متعباً، فيقرر أن يمضي ليلته نائماً في غرفةٍ معزولة اعترضته في طريقه، قد فرشت ببساطٍ صنع من سعف النخيل .. أغلق عينيه ليغط في نوم عميق، ويعم الهدوء المكان.

تمضي اللحظات ..

ثمّة شيء ما قد أقبل من بعيد، المؤذن "وقّاص"، قد صعد الجبل، حان موعد صلاة الفجر حسب توقيت الصحراء القاحلة، ينادي بأعلى صوته: الله أكبر .. الله أكبر، فيهتز بها كل شيء، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويسلب الألباب!



يستيقظ خبّاب مذعوراً على إثر هذا الصوت، كأنما كان في حلمٍ عميق، مصاحف مصفوفةٌ على رفوف، ونورٌ باهت من مصباح قد عُلق على السقف، ورجالٌ قد اصطفوا بانتظام مهيب، في مشهدٍ يفيض سكينة وطمأنينة!

يتمتم في نفسه، يسأل نفسه مشدوهاً، باستغراب ودهشة: ما الذي دفع هؤلاء في بقعة معزولةٍ عن العالم أن يغالبوا نومهم وراحتهم ليقفوا جميعاً في مشهد كهذا؟

يقرأ الإمام من سورة العنكبوت، يترنم بصوت شجي، يأسر القلوب، ويهز الوجدان، (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ)، تتهادى الآيات ويتردد صداها في تجاويف قلبه، استقرت في ثنايا وجدانه، سيطرت على عقله وروحه، ولّدت شعوراً عظيماً استحكمت عظمته في أعماقه.

كانت لحظة تجلٍ وصحوة حينما تحطم الضياع أمام صخرة اليقين، وتبددت العتمة بنورٍ عظيم، يجد خبّاب أخيراً إجابات الأسئلة الوجودية التي أقضّت مضجعه، الحلول الأزلية لصراعاته المريرية، أحس أن كل شيء يتهاوى أمامه، ثمّة غشاوات قد انجلت عن عينيه، وأبواب مغلقة قد فتحت من أمامه، ترتعد فرائصه، ويتصبب العرق على جبينه، شيء ما يدخل إلى قلبه عنوة، يروي عطشاً قد ألمّ به، ويدفع جوعاً استوطن في داخله.

في تلك اللحظات، أشرق الضياء بعد ليلة ظلماء!

معتصم المشاري

41 عرض