شعار مداد.png

وافر الشعور

تُدير عائلتي متجرًا استثنائيًا، متجر المشاعر، باستطاعتنا بيعك أي شعور تريده أو توفيره، لا يصعب علينا ذلك، ما عدا الحب، لأننا لا نعرفه في هذه القرية، فكيف لفاقد الشيء أن يُعطيه؟ وحقيقةً لا نرغب بالبحث عنه، لأننا أعتدنا على الإكثار من حبوب الجهل، فأخي كريم حتى بالجهل! اعتاد على منحنا إياها بلا ثمنٍ لها، هبةٌ؟ ربما تستطيع قول ذلك. في المتجر كل فردٍ مِنا مسؤولٌ عن بيع شعورٍ فقط، أكثر شعور يحس به، عائلتنا كبيرة ومن المتعب شفاء كُل فردٍ مِنها وحيدًا، لا نملك هذه الرفاهية ولا التفهم لفعل ذلك، لذا افتتحنا متجرًا لبيع فائضنا من الشعور.

أمي تبيع شعور الخيبة لكل أمهات الحيّ، تفردًا مِنها، لأن الآباء لا يشعرون بالخيبة، هكذا تفسر سبب اختيارها لزبائن محددين. أمي شعرت بالخيبة حتى من ذاتها، من إخوتي، من أبي، من الحياة. كانت تقول سابقًا لصديقات الحيّ، أنها مفرطة التوقع منذ الصغر، ولم يكن بمقدور أي أحد وهبها شعور الرضا، حتى هي. فكانت ترحب بالخيبة بأيدي مرتجفة، فهي تخافها رغم اعتيادها عليها ويصعب عليها حقًا التعامل معها كصديق، لكنها ليست عدوا بالنهاية، لذا لا مانع من بيعها للآخرين، ربما تفهمونها؟ هكذا فكرت.

أبي يبيع شعور الخوف إيمانًا منه بأن الطمأنينة ما هي إلا استراحة مؤقتة، تعتادها فترتبك، لذا عليك بالخوف! يجب عليك عدم التصديق مطلقًا في حياتك كلها بالطمأنينة، فهي مؤامرة. الخوف سلاح ثمين يجعلك متأهبًا للقتال أو الغدر، يرجو من الرجال أن يتسلحوا به لحياة أفضل، ليس تحديدًا لزبائنه مثلما تفعل أمي، وإنما يظن للنساء خوفٌ يسكن في الأحشاء من الولادة، فما حاجتهن له؟ يتساءل.

أختي تبيع شعور الاستسلام، رغم بيعها له إلا أنها لا تحمل شعورًا معينًا تجاهه، حقيقةً لم تحمل شعورا تجاه أي شيء طوال حياتها، وددنا لو أنها قاتلت لنيل منصب أو زوج ترغب به على أقل تقدير، وليس أول شخص تقدم لها، فهي حتى الآن لا تعرف سبب موافقتها عليه أو على الحياة الزوجية ككل، إنها تحب الموافقة وتكره الرفض، هكذا تصف ذاتها. وهي كذلك لا تؤدي دورًا مهمًا بالمتجر، وجودها بالمتجر مرتبط بكونها فرد مِنا، ولم نفكر بالاستغناء عنها بعد، لأننا لا نفكر بشكل عام، نفعل ما نعتاد عليه، واعتدنا وجودها.

أنا أبيع شعور اليأس، لأني متعب من الأمل، فالأمل ضيف يستطيع إقناعك بمدى جمالك وقوة شخصيتك، لكنه سيذهب وإن أطال المبيت، أعني مهما استمتعت برفقته ستعود لنفسك اليائسة، لذا ما الغاية خلف التصديق به، ستعيش كذبة كبرى وأنت أذكى من الغرق بِها. لشعور اليأس حبوبٌ صفراء اللون، اصفرارها هادئ يشبه إشراقة الشمس الأولى، إطلالتها خجولة لكنها لطيفة. وهي سبب رواجها، ففي قريتنا لحبوب اليأس شاعرية خاصة، تجذب الزبائن ويشعرون بالحبور بمجرد اقتنائها.

خالتي تبيع الزيف بأنواعه سواءً كانت ابتسامة صفراء، أو إيماءة بالرأس، تكمن براعتها بالكذب، قولًا أو شعورًا. لا تعتبرها أمي صديقة لها، لكنها تقسم لصديقات الحيّ أن أمي لا تنام الليل إن لم تُحادثها، تهوى الزيف وتراه حقيقة البشر، تنفر من الصادقين لأنهم واضحين ومملين، تهوى الادعاء وتعتبره أسلوب حياة، وتذوب حينما يحادثه شخصٌ مخادع، تراها منافسة تستحق التذكر، لأن لا أحد يستطيع منافستها.

عمتي تبيع شعور الفقد، فحتى وهي تبيعه تنوح وتتذكر كل شخص غادرها، حتى لو كان الزبون. تحتار حينما تفرح لأنها تعتبرها إشارة جالبة للنحس، فيومها لا يخلو من البكاء على الأطلال والبحث عن المشاكل، أو خلقها لا ضرر. تخاف من البهجة فتتخذ الهم درعًا لها حتى لا تتغير وتفقد حتى ذاتها.

وأخيرًا جدتي تبيع شعور الحزن، وكلما هممنا بسؤالها عن سبب اختيارها للحزن بالذات، تنظر لنا بشفقة وتصمتْ، أتساءل لِمَ تشعر بالحزن؟ فمتجرنا شهير جدًا لدرجة إن صحفي من المدينة اتصل بنا وسأل عن إمكانية استضافتنا ببرنامجه الأسبوع القادم، مع ذلك لا تشعر بالسعادة، أتذكر بأنها مرة سألتني إن كُنت أشتاق لعائلتنا قبل المتجر كما تفعل هي؟ قلت لها أننا لا نبيع شعور الاشتياق هنا، لأننا لم نكن عائلة بالأساس حتى نشتاق لماضينا، أعني بأننا لم نحظى بالحب، وهذا سبب عدم مقدرتنا على بيعه أو توفيره منذ البداية.



منار العتيبي

72 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل