شعار مداد.png

ينبوع الشباب

يحكى أن في اليابان تحديدًا في محافظة ناغانو يوجد ينبوع اسمه ينبوع الشباب الأبدي حيث يعيد من أصبح عجوزًا إلى سن الشباب بمجرد أن يستحم فيه.


هنا في بغداد جلس الأصدقاء المترفون الثلاثة عمر وعازم وهشام الذين غزا الشيب رؤوسهم والتجاعيد أجسامهم، الذين بلغوا من العمر أرذله، فعمر 58 عامًا، وعازم 55 عامًا، أما هشام 52 عامًا، يخططون لرحلة ترفيهية حتى يزوروا اليابان.

بعد أسبوع، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وصل الأصدقاء إلى طوكيو، استأجروا شقة لهم وغطوا في نوم عميق، حل الصباح، استيقظ عازم أولاً وجهز الفطور من ثم أيقظ عمر وهشام وما إن انتهوا من الإفطار طلب عازم أن ينزلوا إلى الشارع ويتفقدوا المدينة والناس الذين يسكنونها، أجابا طلبه مباشرة، أثناء سيرهم كان من الواضح جدًّا أنهم لا يعلمون شيئًا عن المدينة، كل ما في الأمر أنها حصلت سريعًا دون تدبير تام، مروا بمحل يبيع البوظة، اشتهاها عمر فأخذ له ولرفيقيه، وعندما كانت خطواتهم تمشي بطيش حصلت ضجة كبيرة، الناس كلهم يصرخون في ذعر، وقعت الغرابة على الأصدقاء وكيف لهم أن يعرفوا ما يجري وهم لا يجيدون لغتهم، اشتد الصراخ وبدأ العامة يضربون بعضهم البعض، ويرمون الطعام على من يقترب منهم، لحسن الحظ مر شاب عربي سأله هشام:

-ما الذي يجري هنا؟

-لقد مات أميرهم إيميا شيرو الذي عرف أنه رحيم على الشعب، لا يدع جائعًا ملقى على الطريق إلا وأطعمه، ولا طفلاً مشردًّا دون أن يجد له مأوى، أفعاله إنسانية والجميع يحبه، يقال إنه ترك مذكرة كتب فيها عن ينبوع يعيد العمر شبابًا، هذه المذكرة سرقها عامل في القصر ثم طبع عدة نسخ منها والآن هي تدور بين الأنفس العابرة في الطرقات.

تبدت الدهشة مخلوطة بالطمع على ملامحهم، من ثم قال عمر:

-هيا بنا نبحث عن المذكرة ونعرف أين يوجد الينبوع

أيده رفيقاه من ثم تفرقوا يبحثون عنها، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حيث كان من السهل أن يجد الثلاثة نسخة من المذكرة، قرروا الرجوع إلى الشقة، أن يجلسوا ويتشاوروا بما سيفعلون بها.

عازم: نهايتنا غدت قريبة ونريد أن يتجدد عمرنا، لابد أن نصل إلى مكان الينبوع

عمر: صحيح لكن كيف لنا أن نقرأ ما كتب؟

عازم: ذلك الشاب الذي أخبرنا عما يحصل هنا، من الواضح أنه ذو خبرة بالبلاد ولغتها

هشام: كيف لنا أن نجده وقد رأيناه صدفة؟

طرق الباب، ذهب هشام حتى يفتحه إذ أنه ذلك الشاب!

-رأيت كيف اندهشتم من الخبر وقررت أن أتبعكم؛ لأعرف أين تسكنون ونصبح معًا فيه.

عمر: ما اسمك أولاً؟

-خالد

هشام: يبدو شابًّا طيبًا لا نية سوء يحملها، يجدر بنا تصديقه

شرح الشاب خالد ما كتب في المذكرة وعن مكان الينبوع، فوافق الأصدقاء على استضافته، لما خلدوا إلى النوم جميعًا ونام خالد على الأريكة، مشى عازم بخطوات متباطئة نحوه، من ثم خنقه بشدة محكمًا إغلاق فمه حتى لفظ آخر أنفاسه، من ثم أخرج جثته وألقى بها بعيدًا ولم يلحظ أحد ذلك، في الساعة التاسعة صباحًا تجهز الأصدقاء، سأل هشام عن خالد، أجاب عازم بأنه أراد الرحيل في ساعة متأخرة حيث تنازل عن إرشادنا إلى الينبوع، لم يهتم هشام وعمر كثيرًا، ولم يعلما عن الشر الذي غطى عين عازم حتى يقتل شابًّا بريئًا دلهم عليه وانتهت مهمته في رأيه، حزموا حقائبهم ومضوا في رحلتهم، حين ركبوا القطار لكي يتجهوا إلى محافظة ناغانو، جلسوا في مقصورة واحدة

عمر: لست أدري ما الفائدة منكما وأنتما كالكلاب تلحقان بي

عازم: انتق ألفاظك يا عمر

عمر: منذ عرفتكما وأنتما تابعان غبيان تجريان وراء مصالحكما حتى أنفعكما، ما اعتبرتكما يومًا صديقين لي، كيف إلى الآن وأنا أصحب قذارة معي، أحتاج إلى حاوية القمامة حتى أرميكما فيها

خرج عمر من المقصورة، استغل عازم الفرصة وتحدث مع هشام في أن يتخلصا معًا منه، صدم هشام كيف يحدث هذا، حاول عازم إقناعه

- لا جدوى منه، هو دائم التذمر سليط اللسان يريد من الكل أن يخدمه وإذا ما وجدنا الينبوع هو نفسه سيتخلص منا

-ل...كن

- لا يوجد لكن، إذا أردت أن تموت فمت وحدك ولا تشاركني فيما سأفعل

تسلط الخوف على هشام الذي كان مسالمًا، يحسن الظن بمن يحبهم، لا يؤذي أحدًا بلسانه فكيف بيده!

توقف القطار عند المحطة التي يقصدها الأصدقاء الثلاثة، نزلوا يبحثون عن بقالة؛ ليشتروا ماء يروي عطشهم، وهم في الطريق إليها دفع عازم عمر وطعنه مباشرة من الخلف

-انتهى زمن تعاليك علينا، الآن تغط في سبات لن تصحو بعده

جمع عمر قوته وفي لحظة خاطفة قام بخنق عازم

-بئسًا لك، لن تتخلص مني بهذه السهولة

شيئًا فشيئًا تلون وجهه إلى الأحمر، لم يستطع التنفس أو أن يقاوم أكثر، التقط هشام حجرًا كبيرًا وضرب رأس عمر فسقط أرضًا، حشرجت روحه في صدره، ومات من فوره، تشنج هشام، بكى حتى لم يستطع أن يفتح عينيه، حينها ثقل العالم وجد متكأ عليهما، أسرع عازم يهدئه، لم يكن هشام يسمع ترددات صوته، هو في مكان آخر عنه، أخذه عازم واهتم بأمر صديقهما، بعد أسبوعين من الحادثة، عند جلوسهما في شقة جديدة، لم يتبق سوى ثلاثة أيام ليصلا إلى ناغانو

عازم: أخيرًا سنجتمع بالينبوع قريبًا، ننسى ما قد كابدناه في رحلتنا هذه

هشام: نعم..

الغضب العارم يملأ هشام، عندما مر من غرفة عازم سمعه وهو يكلم نفسه يطلب الغفران والعفو من ربه على الجريمتين اللتين ارتكبهما، صدم هشام لما عرف أنه قاتل الشاب خالد أيضًا، امتعض لما فعله بشدة.

انطلقا باكرًا على عجلة من أمرهما حتى يجدا مكان الينبوع، مرت عدة ساعات تعب عازم من كثرة المسير فجلس قليلاً وطلب من هشام أن يحضر له الشاي، قدم الكأس إليه، عندما شرب منه لم يلبث إلا أن وقع ولم يحمله جسده، ناشد هشام بنظراته لكنه امتنع عن مساعدته، عدة دقائق وتوفي عازم، هذه المرة هشام لم يندم البتة ولم يتكدر، رغم الحوادث الشنيعة التي جرت معه تابع هذه الرحلة الشاقة، وصل إلى ناغانو وسأل أين يوجد الينبوع، دله سكان المحافظة عليه إذ كان مشهورًا لديهم.

-إنه ينبوع الشباب الأبدي! إنه الينبوووع، أستحق أن أحصل عليه وحدي، لا أحد لا أحد عليه أن يكون معي في هذه اللحظة الكبيرة، ما علي الآن سوى أن أستحم فيه، وأعود شابًّا في 18 من العمر

لم يترك الوقت يضيع منه وتحمم مباشرة، بعد أن انتهى لم يتغير شيء! لم يصدق.. ورش الماء عليه مرة بعد مرة لكن لا فائدة، غدا يرجف وهو يرتدي ملابسه، فراح يسأل عن سر الينبوع إلى أن وجد شيخًا جالسًا يروي قصته على الأطفال الجالسين حوله، انتهى الشيخ من سرد القصة، وقعت عينه على هشام إذ كان في حالة من الهلع، أتى إليه، من الجيد أنه يفهم اللغة التي يتحدث بها هشام، سأله حالًا عنه وإذا ما كانت هناك طريقة معينه حتى يظهر مفعوله، ضحك الشيخ على سؤاله وقال:

-ينبوع الشباب الأبدي ما هي إلا أسطورة توارثها أبناء هذه المحافظة جيلاً بعد جيل، شاعت بينهم وانتقلت إلى المدن الكبيرة حتى ظنها الكثير حقيقة مطلقة، وأنا هنا كما ترى أقصها على الذين يأتون إليها..

تشبع هشام باليأس، المعاناة التي عاشها كانت من أجل لاشيء، محض وهم صدقه في لحظة غفلة منه، عاد إلى أدراجه مقفلا بابه عليه إلى أن توافيه المنية بعد كل هذه التضحيات.


نهى فقيهي


8 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل