شعار مداد.png

برزخ


[الساعة: ٦:٣٠ ص]

[نداء أخير لمن لم يفحص أمتعته، القطار الأخير سيصل إلى المحطة خلال نصف ساعة، الرجاء ممن لديه أمتعة أن يتوجه للمكتب الرئيسي بجوار البوابة الغربية، نتمنى للجميع رحلة موفقة.]


تصادت موجات هذا النداء وتدافعت، بادئةً بشفتي موظف الاستقبال، مستعينة بقوة نظام الإذاعة لدى محطة الأعراف للرحلات البرية، مسابقةً لرياح شتاء ديسمبر القاسية- العابرة من خلال أبواب المحطة، في منافسة لإزعاج كل من كان يخطو في الممرات في عجلة من أمره، و لبلوغ كل من كان يغفو في صالات انتظار المحطة بهدوء و سلام. في حالة بين الوعي و اللاوعي، خاسر معركة النعاس الطبيب غازي، لا يبدو عليه مظهر المهزوم، فللجالسين كانت هيئته هيئة الغارقين في التأمل والتفكير، كان غازي متكئًا وحاملًا لرأسه بيده اليمنى، جاذبا بسبابته زاوية عينه إلى الأعلى، ولكن بعد ثوانٍ قليلة من الهزيمة أتى الدعم والإمدادات غير المرحب بها في صف الطبيب، فهمسات الرياح وحدّة نداء المحطة قلبت موازين المعركة، ساحبة لإدراك غازي من حلم غريب كان يرى فيه شريط حياته، إلى جسده الدافئ الآمن، المختبئ تحت معطف والده الشتوي، ورثه عن الأخير الراحل.

كان الطبيب يحمل في حضنه ظرفا بداخله دعوته "للتكريم الختامي" برفقتها ورقة اقتراحات من المرسل ذاته للاستمتاع بالرحلة، وتذكرة لرحلة غير واضحة الوجهة، هذا وكان يحمل صحيفة متضمنة لأعماله الإنسانية السابقة، أقرب ما تكون هذه الصحيفة إلى سيرة ذاتية له، منذهلا من دقتها وشموليتها، أخذ غازي يقلّبها محاولًا اكتشاف كاتبها، بلا حظ، غلبه حنين الذكريات المكتوبة، استرجع بعضا منها، وشدَّ انتباهه مجموعة معينة من مبادرات مدونة، لا يظهر على السطح لقارئها أنها مميزة، لكن لغازي كان لها كل التميز، للمجموعة تلك عوامل مشتركة، أبرزها كان جمعها لأصدقاء الطفولة، الذين فرقتهم مفارق طرق الدنيا، غازي وصديقيه العزيزين وقتها، شدّوا العزم وتعاونوا على إنجاح تلك المبادرات، أحد الصديقين وافي، قائد للقطارات، وهو القائد المسؤول عن رحلة غازي المقبلة، وهذا كان بلا منازع أكبر دواعي سرور غازي في تلك اللحظة، بالرغم من أنه متوجه لحفل سيكرم فيه، إلا أن الريبة أخذت تستوطن في صدر الطبيب، لأن الدعوة كانت من وجهة نظره تستوجب ذلك، و لكن قبل أن يتسنى له أن يفحص الظرف مرة أخرى، قاطعته هو و الهمسات الباردة حوله صوت صافرة القطار البخاري العتيق، فضحك لا شعوريًا، وغزت السعادة قلب غازي عندما قرّب عينيه تجاه النافذة الزجاجية، بعد لحظات يسيرة وبنصف إغماضة، استطاع أن يلاحظ حصان الحرب الحديدي العظيم المقبل نحوه، فأخذ يحدق في جماله المعجز وهو يفطر العاصفة بهيبته وهندامه كأنها مجرد نسيم جبلي عليل، وتلك السحب المتولدة منه، كالممحاة تطمس كل ما سبقها، فهمس غازي لنفسه قائلًا "أحسنت الاختيار يا وافي"، فللصديقين حب يجمعهما لكل تاريخي عتيق.

[الساعة: ٧:٠٠ ص]

قبيل توجه غازي لعربته، تبادل هو ووافي أعذب التحيات، وأدفأ العناقات، وتبادلا بعضا من الأحاديث، والرياح الثلجية تهب و تعصف حولهما. استأذن وافي استئذان بعد الحدث من صديقه بأنه أعلن للركاب أن صديق عمره والطبيب ذو الانجازات والاكتشافات غازي سيكون رفيقا لسفرهم في هذه الرحلة، وبلغه أن امرأة من الركاب كانت تسأل عن محطته وعربته ومقعده لسبب ما، "قد تكون أحد الأقارب" قال وافي، فرد عليه غازي: "لو أنك استأذنتني قبل أن تفعل لما أذنت لك، لست بأفضل من غيري يا عزيزي وافي"

وافي: "وأنا متأكد من هذا، لهذا فعلت ما فعلت، ولكن كاعتذار بسيط اسمح لي بأن أقدم لك خدمة بسيطة، إن اشتهت نفسك ما اشتهت، اطلبه وادعوا ما تشاء من مقدمي الخدمة على متن القطار، و قل لهم "عفوان وافي"، هذه شفرة متعارف عليها بيننا، لا يعلم عنها إلا نحن وأنت وملك البلاد، فلم يستعملها إلى اليوم غيره"

غازي: "سأقبل شرف هذه الهدية."

فضحك وافي و قال: "إن لم تستعملها فلن تكون إلا سرابا."

فابتسم غازي، ثم سأله عن الدعوة، ولكن مساعد وافي قاطعهما قبل أن تتسنى لوافي الإجابة، وطلب منهما الاستعجال بالركوب، فصافحا بعضهما واتجه كل منهما لنهاية من القطار.

صعد غازي سلالم عربته المتذيلة للقطار ذو العربات السبع، هو آخر الركاب، لذا أغلق الباب خلفه لحظة ما ركب، و ما إن بدأ بخلع المعطف الذي كان يرتديه، إلا و فاجأته تصفيق وتحايا الركاب له، قبل أن تصعقه المفاجأة التالية، حين وضع أوراقه ومعطفه على مقعده، رمت إحدى الراكبات نفسها عليه وعانقته بكل جرأة، متوترا سألها غازي: "عفوًا، هل أعرفك؟"، وما إن انسحبت منه واستطاع أن يرى ملامحها إلا تصنّم بحيرته، أوقاحة هذه أم براءة؟ لا أعرف هذه المرأة و تتجرأ على فعل كهذا في العلن؟

كان يشع منها جمال يعمي العيون، ولعيونها بريق كبريق النجوم، لم يطل الطبيب نظراته، ولكنها فرضت نفسها بالجلوس في المقعد المقابل له، بدا له بأنها تريد أن تشرح له من هي، فجلس بخجل، وهذا ما حدث، كانت إحدى مرضاه في الماضي، وما زالت تدين له بحياتها، وأثناء الحوار أبدت له امتنانها واستعدادها لرد الجميل، أخذ الحوار منعطفات مظلمة، وتغير الهواء المحيط بهما، بدأت بزرع بذرة السوء في قلبه حتى بدأت الافكار تتغلغل في داخله، كان موقنا بأنه إذا ساء الموقف أكثر فسيقوم ويبحث عن مكان آخر ليبتعد عنها، ولكنه بشر كسائرهم، أراد في لحظة الوقوف، لكن قدميه لم ترد، عندما بدأت المرأة بالاقتراب منه، استجمع عزمه كله، جمع أوراقه و حمل معطفه، منع نفسه ثم ترك مكانه الذي تلوث بها. لم يكن فعله بتغيير عربته التي كان يجلس فيها غريبا، لأن مخططه أن يصل إلى العربة الأولى قبل نهاية الرحلة، وهذا كان من أحد الاقتراحات المرفقة مع الدعوة، تلك الاقتراحات التي تبدو كالتعليمات.

انتقل غازي إلى العربة السادسة، وطلب من أحد العاملين هناك أن يوفر له مقعدا ويأتيه ببعض الطعام والقهوة، فتوتر الموقف السابق وبرد طقس الشتاء الذي كان محسوسًا أكثر في هذه العربة، أثار جوعًا شديدًا، فساعده مقدم الخدمة وحيّا الطبيب بتحايا الشخصيات المهمة الشأن، و قال له سأحضر لك واحدًا من كل طبق نمتلك، تفضل واجلس هنا، ثم همس في أذنه "تذاكر هذه العربة من أرخص التذاكر، لذا الجالس فيها بالعادة يكون من طبقات مجتمعية متدنية، أما تذكرتك أنت فتسمح لك بالجلوس أينما شئت، بشريطة توفر المقعد طبعًا."، ساء غازي ما قاله له العامل، ولكنه كان مشتتًا فلم يرد عليه. بعد دقائق وصلت المائدة الملكية عنده، بدأ بالأكل والتفكير، لكنه لا يستطع منع نفسه من أن يلاحظ أن الشاب الجالس أمامه كان يلتفت باتجاه مائدة غازي كل لحظة، عندما وصل الطعام، جاءت في باله فكرتين متضادتين، ثم عمل غازي بإحداهما، الأولى كانت "ماذا يريد هذا؟" والثانية "نعمة ربي علي ليست ملكا لي"، عمل غازي بمبدأ الثانية، فعزمه وأخذ وأعطى معه، وحكى له أن القائد صديق له، لذا يمتلك غازي نوع التذكرة هذه، وتبين مع الحديث بأن هذا الشاب نبيه وشديد الذكاء، فما كان من غازي إلا أن يسأله عن رأيه في دعوته، والورقة المرفقة معها، فغازي كان يشك بأنها أحجية من نوع ما، ولهذا عزم على الحضور، وأغرب ما حيره كانت الطوابع على الظرف، فالأول أسود بأطراف بيضاء، والثاني أبيض بأطراف سوداء، ثم اقتراحات الورقة المرفقة التي تقول أن عليه أن يستمتع ويركز على الرحلة أكثر من الوجهة، وأن ينتبه لما في داخل القطار عوضا عن التحديق في نوافذه، عنوان الدعوة أيضًا "التكريم الختامي"، كلها كانت مريبة، رد عليه الشاب بأن وافي هو الأغرب في هذه المعادلة، وبعد تأمل وتفكر اتفق غازي.

قرر الطبيب أن ينتقل إلى العربة الخامسة ليبدأ التحقق والاستكشاف فعلًا، عندما انتقل لم يجد فيها ما يميزها عن سابقتها، إلا أن الركاب فيها كانوا أقل، ففي هذه العربة لم يتواجد سواه ومقدم الخدمة واثنين من الركاب، أيضًا كان جدارها الأيسر يحمل إطارين، بداخل كل منهما قلم ريشة رأسه من ذهب، وأسفله أخضر زمرّدي، يشعّان بنورٍ يسحر كل من تسقط عينيه عليهما.

نادى غازي مقدم الخدمة وطلب منه إن لم يكن في ذلك حرج أن ينزل له أحد القلمين، ليست من طبع ولا طبيعة غازي تلك الطلبات، ولكنّ رغبة ملحّة هي من حركته في هذا الاتجاه، ضحك مقدم الخدمة صغير السن في وجهه وقال: "أعتذر منك، لكنك طلبت طلبًا أطول منّي، لم يسبقك به إلا الملك حفظه الله، فالأقلام هذه كانت ثلاثة، والهدف من وضعها هو أن تكون هدايا تشريفية لذوي الشأن، لذا لا أستطيع أن أنزل لك أحدهما لمجرد الطلب."

فانفلتت نفس الطبيب للحظة قبل أن يتمالكها وقال "عفوان وا.."

رد مقدم الخدمة: "عذرا لم أسمع ما قلته سيدي"

بعدما لاحظ غازي هزالة الطلب وسخافة الموقف، وأنه تشتت عما كان يهدف إليه في الواقع، بدأ بسؤال مقدم الخدمة عن العربة التالية قبل أن ينتقل إليها وقال: "عفوًا يا ابني، أتمانع أن تخبرني ما فرق العربة التالية عن هذه العربة"، فبدأ المقدم بالشرح له بأن العربتين التاليتين أولهما أدفأ، والتي تليها أبرد من العربة الخامسة، وأن كلتيهما لا تحملان أحدًا من الركاب لقلّة النوافذ فيهما، شكر غازي المقدم وانتقل إلى رابع العربات.

خطى أول خطواته في العربة الرابعة، وغلبه شعور السكينة فيها، وحدّة الهدوء العام فيها، لا يسمع إلا صوت ضرب الحديد في الحديد من تحته، اتجه مباشرةً إلى مقعد طويل وانتهز الفرصة بأن يفكر في ظروفه المحيطة به، تزداد الشكوك مع كل لحظة تمرّ وهو على متن هذا القطار بالرغم من أنه لم يصرخ في وجهه دليل لقطع الشك باليقين. استلقى الطبيب على جانبه الأيمن، وابتدأت أنفاسه تصبح تثاؤبًا، قبل أن يبدأ بنفي الفرضية أن لوافي يد في ترتيب هذا الموقف؟ الاختبار؟ الأحجية؟

بدأ غازي يصارع النوم فباله لم يكن مرتاحًا، حاول النهوض مرة وثلاثة، لم يستطع، بل لم يرد، أراد قسطًا من الراحة التي يستحقها، ضميره لم يكن ليسمح له أن يفعل ذلك على أي حال.

قام غازي وبدأ بالبحث عن مقدم خدمة حوله ليطلب بعض الشاي، فلم يجد سوى المقاعد الفارغة، انتقل إلى العربة الثالثة، وحيّته برودتها لحظة دخوله، من حسن حظه أن مقدم الخدمة في هذه العربة كان جالسا بجوار بابها، ومن سوء حظه أنه عندما فتح الباب، طرفه أسقط قدحا من القهوة، قطراته المتطايرة من الحطام على الأرض، لوثت إرث غازي الذي كان يحمله على ساعده، فبدأ الغضب بسرعة جنونية يقيد الطبيب ويبني نفسه لبنة فلبنة، حجرا فحجرا، حتى كاد يعمي نظر غازي، إلا أنه من خلال مجال بصريّ ضيق، رأى أن مقدم الخدمة مستغرق في نومه، فسقط مبنى الغضب الأسود قبل أن يكتمل، واعترف لنفسه الطبيب بأنه تسبب على نفسه، وأنه لا فائدة ترجى من البكاء على البنّ المسكوب، قبل أن يوقظ المقدم ويطلب منه أن يحظر قدحا من القهوة إلى العربة الثانية، عندما ينتهي من تنظيف الزجاج المكسور.

دخل غازي إلى العربة الثانية المخملية، مخملية مقاعدها وركابها، فجلس في مقعد بطلب من مقدم الخدمة، لأن القطار سيأخذ منعطفا حادا، فجلس بجانب شاب تبدو عليه مظاهر النعمة وعدم الاحترام، تعامله مع مقدم الخدمة ورفضه اتباع التعليمات إن لم تكن ترضيه، ذكره لوالده الغني وذو الشهرة كل لحظة وحين، فتذكر الطبيب نفسه عندما كان بنفس سنه، وكيف أن الظروف القاسية والنقص كانت هي ما يأكل من روحه في كل وقت وحين، حتى وإن كانت هي ذاتها وقود محركه للتطور وللإنجاز، كيف أن هذا المدلل يمتلك أكثر مما يجب أن يمتلكه الإنسان في هذا العمر، هل يستحق الشاب هذا ما يمتلك؟ يا له من محظوظ، بل إنه مسكين، لن يعرف قيمة ما يملك، وأتمنى من ربي أن يأتيه في يوم دافع يحرك فيه غريزة العمل، لأنه إن استمر على هذا الحال، فعوّض الله والديه.

وصل غازي بعدما اعتدل القطار إلى وجهته الأخيرة على متن هذا القطار، أولى العربات، ولم يصدّق عينيه عندما رأى ثالث الأصدقاء الثلاثة، صاحبه بدر الذي خانه، وخان وافي معه، جالس في مقدمة المقاعد. كانت للعربة برودة قارسة، لم تكن هذه البرودة كبرودة الجدار الجليدي بينهما، جلس غازي في مؤخرة المقاعد، ولم يطل الوقت حتى توقف القطار عند محطته المنشودة، توجه غازي لبوابة العربة وخطى أول خطاه على سلالم النزول، لم يرتح لهذا الاختيار على الإطلاق، فالتفت نحو بدر الجالس خلف ظهره، وتحدثت النظرات بدلالتها وشفراتها، عادت مشاعر الأشواق لتذيب الجليد، ولتليّن الخواطر، أيقن الطبيب غازي حينها بأن كثيرا من شكوكه كانت في محلها، أيقن بأن إجابته التي يسألها عند بدر، ولكن الكبرياء لم يكن من محبّي بدر، والفخر كذلك عارض التفاتة غازي، وعارض توجهه نحوه، بتواضع وشجاعة أقدم غازي على الاختيار، اختار أن يجيب أسئلته عوضا عن أن يكرمّ، وباختياره هذا استحق الطبيب التكريم، فعندما سمع غازي كلمات بدر حين قال له: "أحسنت الاختيار يا غازي"، علم غازي بأنه أحسن الاختيار.

فارس المبيريك

69 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل